مقالاتي المنشورة في مختلف الصحف والمجلات

آخر مدوناتي

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين
هدية العيد
درجات الصوم
بق الألفية والعد التنازلي
لغز الصندوق الأسود
لماذا يستقيلون 3 / 3
لماذا يستقيلون 2 / 3
لماذا يستقيلون 1 / 3
من عجائب الأقدار
فيروسات الحاسوب
الخريجون وفرص العمل
مع الطيور مرة أخرى
من طرائف الحاسوب
الإنسان بين الخلق والنشوء
التلاعب بالأرقام
الحاسوب يتوقع تصرفات الناس ويقتفي أثرهم
كسوف الشمس وحياتنا على الأرض
الرائحة والمزاج
السلامة أولاً
الإتيكيت والإنترنت
التجريب على الحيوانات – هل هو عمل إنساني
هل للجوال مخاطر صحية؟
هجرة الطيور والإدارة الحديثة
المعلمون والطلاب… أي الفريقين يتعلم من الآخر؟
النظام الغذائي والوقاية من السرطان

عناوين أخرى

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين


نشر الساعة: 05:29 ص بتاريخ: 2007-أغس- 4
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة الشرق الأوسط، العدد 7674

24 شعبان 1420هـ الموافق 2 ديسمبر 1999م، ص 10

هذا المقال ليس للحديث عن مشكلة العام 2000 التي شغلت البشر كلهم بما قد ينتج عنها من مشكلات إن لم يتم تدارك الحاسبات والأجهزة المبرمجة في الوقت المناسب. ولكنه عن مشكلة أخرى من مشكلات العام 2000، لا علاقة لها بالحاسبات، وإنما علاقتها بالعقل البشري. ولا غرابة أن يقع فرد في خطأ علمي من أي نوع، فقد وقع العلماء في أخطاء كثيرة على مدى التاريخ، وسادت نظريات ردحاً من الزمن ثم تبين خطؤها فيما بعد. ولكن أن يقع أغلب الناس في خطأ فهذه مشكلة.

إن السائد عند أغلب الناس، عرباً وعجماً، أن الألفية الثالثة ستبدأ في الأول من كانون الثاني (يناير) من العام 2000، وهذا خطأ كبير، لأنها ستبدأ فعلاً في بداية العام 2001. إذ أن الألفية الثانية لا تنتهي إلا بانقضاء العام 2000. وسبب ذلك أنه لم يكن هناك عام اسمه العام صفر. وإنما بدأ عد السنين من مولد المسيح عيسى عليه السلام. أما الصفر فهو نقطة التحول من تاريخ ما قبل الميلاد إلى تاريخ ما بعد الميلاد، أي أن الصفر هو لحظة وليس عاماً كاملاً. وبالتالي فإن العام الأول بدأ مع مولده، ثم بدأ العام الثاني بعد أن أتم سنة من عمره، وهكذا لم يبدأ العقد الثاني من عمره إلا بعد انقضاء العام العاشر، أي في أول يوم من العام 11. وبالمثل فإن القرن الثاني بدأ بعد انقضاء العام 100، أي في بداية العام 101، والألفية الثانية بدأت بعد تمام الألف، أي في أول يوم من العام 1001، وهكذا فإن الألفية الثالثة لن تبدأ إلا بعد إتمام الألفية الثانية.

وهذه المسألة ليست جديدة، إذ يُقال أن فيكتوريا، ملكة بريطانيا، احتفلت بدخول القرن العشرين في بداية العام 1901، ولكنها ماتت في العام نفسه، في حين احتفل قيصر، إمبراطور ألمانيا، في بداية العام 1900، وتم خلعه في العام 1918 بعد أن خسرت ألمانيا الحرب العالمية الأولى، ولم يمت إلا في العام 1941.

كذلك فقد نبَّه إلى هذا الموضوع بعض العلماء منذ أكثر من عشرين سنة، وبالتحديد في العام الهجري 1399، حيث بدأ العالم الإسلامي يستعد للاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري، وتمت في ذلك الوقت الإشارة إلى هذه الحقيقة، التي هي في علم الحساب من المسلَّمات التي لا تحتاج إلى برهان. ولكن – كما يُقال – فإن ذاكرة الشعوب ضعيفة، لاسيما وأن شباب ذلك الوقت هم اليوم من الكهول الذين أصبح الشيب يزيِّن وجوههم، وكهول ذاك الزمان هم اليوم في مرحلة الشيخوخة.

والعام 2000 هو من التقويم الميلادي القائم على السنة الشمسية، بخلاف التقويم الهجري المبني على الأشهر القمرية. فالعرب كانوا أمِّيين، كما أشار إلى ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذا كان من السهل عليهم أن يتعاملوا مع القمر الذي تطول دورته شهراً، من التعامل مع الشمس التي تطول دورتها (الظاهرية) عاماً. والتقويم الميلادي تم وضعه في القرن السادس حيث تم تقدير مولد المسيح عليه السلام تقديراً. وهناك من يقول بأن ذاك التقدير لم يكن صحيحاً، وأن المسيح عليه السلام قد وُلد قبل التاريخ المقدر ببضع سنين.

وحيث أن دورة الأرض حول الشمس هي (365) يوماً وأقل من ربع يوم فإن إضافة يوم إلى شهر شباط (فبراير) كل أربع سنوات لتصبح السنة كبيسة (أي ذات 366 يوماً) قد سبَّب مشكلة مع مرور الزمن الطويل، حيث حصلت فروق في مواسم الأعياد. ومن هنا فقد قام البابا جريجوري الثالث عشر (Gregory XIII) الذي عاش في القرن السادس عشر بإجراء تعديل على التقويم، حيث قرر أن السنة الأخيرة في كل قرن لا يجب أن تكون كبيسة إلا مرة كل (400) سنة. ولذا فإن السنوات 1700 و 1800 و 1900 لم تكن كبيسة، في حين أن السنة 2000 ستكون كبيسة. ولتصحيح ما سبق من أخطاء فقد حذف عشرة أيام من العام الذي تم فيه التصحيح (وهو العام 1582)، فقد كانوا في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) فجعل اليوم التالي هو السادس عشر من الشهر نفسه.

وبعد هذه المقدمة يمكن القول بأنه لو لم يحصل خطأ في تقدير بداية عد السنوات، ولولا تعديل البابا جريجوري للتقويم، فإن العام القادم المنتظر ما كان ليكون العام 2000. وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكرناه من قبل بأن بداية القرن الحادي والعشرين ومعه الألفية الثالثة لن تكون إلا في بداية العام 2001، فإننا يمكن أن نتساءل ما الذي يجعل العام 2000 عاماً ذا طبيعة خاصة؟. أنا لا أدري، وإنما أترك الجواب لمن ينتظرون حظهم ولمن بدأوا بالاستعداد منذ سنة للاحتفال بمولد العام 2000 ظناً منهم أنه من سُعد في ليلة دخول العام الجديد فسيكون سعيداً طوال العام، فكيف إذا كان العام بداية القرن الحادي والعشرين والألفية الجديدة؟.

إن الذي يلحظ كيف تجري السنون فإنه يستطيع أن يقول بأنه لا فرق بين عام وعام. نعم نحن نتكلم عن القرن العشرين والإنجازات التي حققتها البشرية فيه، ولكن هذا التقسيم من باب التسهيل في دراسة الأشياء. فهل هناك نقطة واضحة في بداية كل قرن يحصل فيها شيء خاص؟. هناك نقاط تحول واضحة في تاريخ البشرية، كالهجرة النبوية، وفتح بيت المقدس، وموقعة القادسية وموقعة حطين، وغيرها من الأحداث التي غيرت وجه التاريخ. وبعض الناس يعددون أموراً أخرى مثل اكتشاف أمريكا، والثورة الفرنسية في العصر الحديث. وعلى مستوى الدول فلكل دولة يوم وطني، حصل فيه تغير مهم فيها، وهو يوم محدد في السنة، وليس بالضرورة في بداية العام. وكل هذه الأحداث لم تقع بالضرورة مع بداية قرن أو بداية ألفية، فما معنى العام 2000 بالذات؟.

والتقويم الميلادي اليوم مقبول عالمياً من أجل تسهيل التعامل بين الدول، ولكنه غير مقبول على الإطلاق عند كثير من الأمم والشعوب التي لها تقاويم خاصة بها تستخدمها في تحديد أعيادها الدينية والقومية. وكل هذا يؤيد الفكرة بأن العام 2000 ليس له أي صفة خاصة، اللهم إلا في مشكلة العام 2000 الخاصة بالحاسبات. على أن العام 2000 هو نهاية العالم عند بعض الفرق غير الإسلامية.

هناك مستفيدون من الترويج للعام 2000، وبأنه بداية القرن والألفية. فهناك من يبيع الحظ على الإنترنت، وهناك من يعمل الدعايات لرحلة العمر. فحجز مقعد على أي طائرة قرب نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر)، أو حجز غرفة في فندق لآخر ليلة من هذا العام، يكاد يكون أمراً مستحيلاً الآن لمن لم يحجز منذ زمن. وهناك بلاد ومدن تعمل دعاية لنفسها بأنها الأولى على سطح الأرض التي ستشرق عليها شمس الألفية الثالثة. وكل هذا هو من باب دغدغة المشاعر. فمن المعروف أن هناك خطاً وهمياً يقع على خط الطول (180) درجة، أي في الجهة المقابلة لغرينتش، يمثل خط التاريخ الدولي، بحيث أن الناس إلى شرقه يؤرخون بتاريخ الأمس، والناس إلى غربه يؤرخون بتاريخ اليوم. ويقع هذا الخط إلى الشرق من اليابان وأستراليا والفيليبين وإندونيسيا ونيوزيلندا وجزر فيجي وبلدان وجزر أخرى كثيرة في المحيط الهادي، وإلى الغرب من كندا وآلاسكا وجزر هاواي، وغيرها من الجزر في المحيط نفسه. وليس هناك أي ميزة لهذا الخط سوى أنه متفق عليه.

أما الذين يبنون الأحلام الوردية على ما سيجري في القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة فلا أدري على أي شيء يؤسسون. ففي القرن العشرين حصلت حروب طاحنة لم تحصل من قبل في التاريخ، وقُتل فيه من البشر ملايين، واستُخدمت فيه القنابل النووية وغيرها من الأسلحة الفتاكة، وتغيرت خلاله خريطة العالم مرات، فتم تفتيت دول، وابتلاع دول، وتحولت فيه الثروة من دول هي بحاجة إليها إلى دول متخمة تسعى لتسلب طاوي البطن ما جمعا، كما يقول الشاعر. وهاهو القرن العشرين يودع الدنيا وما تزال أهواله تروعنا صباح مساء، وما أحداث البوسنة وكوسوفا والشيشان منا ببعيد. ولهذا لم يكن غريباً أن يكتب أحد المفكرين كتاباً بعنوان جاهلية القرن العشرين. وهذا الكتاب ظهر منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولا أدري ماذا سيسميه لو أعاد طباعته مع بداية الألفية الثالثة.

ولله در أمير الشعراء الذي عاش في الثلث الأول من القرن العشرين، وترك لنا قصائد جميلة على ألسنة الحيوان، فها هو الثعلب يخرج يوماً في لباس الواعظين، ويأمر الناس بالمعروف، ويؤكد حلول الأمن والأمان، ويرسل إلى الديك ليؤذن لصلاة الفجر، فيرد عليه الديك بالحكمة التي تعلمها من آبائه الأولين الذين طالما دخلوا البطن اللعين: مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً.


هدية العيد


نشر الساعة: 10:01 م بتاريخ: 2007-أغس- 3
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

هدية العيد

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12190

5 شوال 1420 هـ الموافق 11 يناير 2000م، ص 10

هذه قصة رجل مع ابنته الصغيرة التي لمَّا تكن قد بلغت سن المدرسة بعد، وقد رواها بنفسه لأحد أصدقائه. ومفادها أنه رأى ابنته هذه تقص من ورق الهدايا المذهَّب مرتفع الثمن الذي أتى به من أجل الهدايا الخاصة جداً التي يقدمها لأصدقائه في المناسبات المهمة جداً. وعندما رأى البنت تقص منه استشاط غضباً لذاك العبث غير المبرر بالأشياء الثمينة. ولشدة غيظه ضربها مؤنباً لها على فعلتها، ولكنها لم تدافع عن نفسها، ولم تبرر عملها.

كان اليوم التالي يوم عيد، وقد فوجئ الأب بابنته تقدم له صندوقاً ملفوفاً بورق الهدايا الثمين نفسه قائلة: هذه هديتي لك يا أبي. لم يتمالك نفسه، فحمل البنت وراح يقبِّلها، ويعتذر عن فعلته، ويطلب منها أن تصفح عنه، لأنه ما قصد الإساءة، وشرح لها أنه ظنها تعبث بالورق الثمين لعِباً وليس لهدف نبيل عندها.

ولما أخذ الصندوق وجده خفيفاً، فقد كان فارغاً. وكاد يعود إلى حالة الغضب، ولكنه تمالك نفسه هذه المرة، وقال لها بلهجة المؤنب: ألا تعلمين أنك عندما تقدمين هدية فإنه يجب أن يكون بداخلها شيء؟. فأجابت الصغيرة والدموع تملأ عينيها: يا أبي إنه ليس فارغاً، فقد نفخت فيه كل ما استطعت من قبلاتي، وكل هذا لك يا أبي. فاحتضنها وأخذ يقبِّلها من جديد، ويطلب منها أن تسامحه، لأنه لم يدرك عمق أفعالها ودقة مشاعرها.

ولشدة ما أُخذ بذلك الدرس البليغ وضع الصندوق المذهَّب بجانب سريره، وتركه هناك سنين طويلة، ينظر إليه كل يوم ويستمد منه العواطف واللمسات الإنسانية الحانية. وكان كلما شعر بوهن في عزيمته أو ضعف في معنوياته تصور قبلة تخرج من الصندوق لتنطبع على خده، من ذلك الحب الكبير الذي وضعته الصغيرة فيه.

هذه القصة وأمثالها يجب أن تكون لنا درساً في كيفية التعامل مع الصغار. فالنفوس جُبلت على حب من أحسن إليها. وليس عجباً أن نجد في القرآن الكريم والسيرة النبوية كَمَّاً من النصوص التي تعلمنا كيفية التعامل معهم، منذ الولادة وحتى اكتمال النمو. ففي مرحلة الرضاعة إرشاد للأمهات بإرضاع الأولاد حولين كاملين. ولقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الرضاعة من ثدي الأم هي عملية تربوية نفسية تمنح الطفل الدفء والحنان، وهذا ما لا تعطيه الرضاعة الاصطناعية من القارورة، لاسيما إذا كانت تتم بواسطة الخادمة.

والعناية لا تتوقف عند هذه المرحلة، وإنما تمتد وتتدرج مع تقدم الطفل بالعمر. فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها أن أسامة بن زيد (عندما كان طفلاً صغيراً) عثر بعتبة الباب فشُجَّ في وجهه، فطلب منها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تميط عنه الأذى، فتقذَّرته. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمص عنه الدم ويمجه عن وجهه، ثم قال: لو كان أسامة جارية لحليته وكسوته حتى أُنَفِّقَه. ولا ننسى أن أسامة لم يكن ابن الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما ابن مولاه. فما أبلغ هذا الدرس من الرسول المعلم. ولذا لم يكن غريباً أن ينشأ أسامة على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى المسابقة إلى تنفيذ أوامره.

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع غلاماً في حجره يحنكه، فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه. نعم هكذا لم ينتهر الصبي ولا انتهر أهله، ولم يصرخ ولم يقل خذوه عني، بل اكتفى بأن أتبعه بالماء. وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فلا بأس من استطراد لطيف حول معنى هذا الحديث. فقد روى أحد العلماء المعاصرين أن طالباً شكك في صحة هذا الحديث قائلاً: لو قيل إن بول النبي صلى الله عليه وسلم طاهر، فإني أقبل، فقد يكون للرسول صلى الله عليه وسلم خصوصية، أما أن يضع الرسول صلى الله عليه وسلم غلاماً في حجره ليبول عليه، فهذا ما لا أقبله أبداً. فضحك الشيخ وقال: يا بني كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وإن هذا الحديث ورد في طهارة بول الصبي، ولم يرد في طهارة بول النبي. ويبدو أن ذاك الطالب لم يكن يجيد فهم النصوص التي يقرؤها. ومن هنا ندرك معنى قولهم: لابد لطالب العلم من صحبة أستاذ. وإن تجربتي في التدريس الجامعي تجعلني أجزم بأن هذا ينطبق على كل فروع العلم.

وعودة إلى الأولاد والتربية النفسية، ومع حديث آخر يوضح عظم قدر رحمة الولد، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة مرة وعلى عاتقه حفيدته أمامة بنت أبي العاص، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. إنه درس بليغ للآباء والأمهات، فالطفل قد يبكي إن تُرك على الأرض، ولذا فإن حمله في أثناء الصلاة إشعار له بأهميته عند والديه، مما يؤدي به إلى الشعور بالاطمئنان. وقد أصلح أحد الأئمة مرة عمامته وهو في الصلاة، فقيل له في هذا، فقال: إن إصلاح العمامة أهون من حمل أمامة. وهذا بالطبع ليس تبريراً لكثرة الحركة في الصلاة، فإن كثرة الحركة تذهب بالخشوع كما ورد في الحديث.

وقبَّل الرسولُ صلى الله عليه وسلم الحسنَ بن علي مرة وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لا يَرحم لا يُرحم. فما أجمل هذا الربط بين تقبيل الصغار وإشعارهم بالرحمة والحنان والعطف عليهم.

وقد دلت الدراسات الحديثة أن هذه العواطف المتبادلة تؤمِّن للطفل استقراراً نفسياً، فينشأ سوياً، ويحب الناس من حوله. ومن الضروري عدم الاستهانة بشعور الطفل أو مدى فهمه واستيعابه مهما كان عمره صغيراً. فالدراسات العلمية تقول إن لدى الطفل إمكانات هائلة للفهم والاستيعاب، وكل شيء يتم تسجيله في ذاكرته. بل إن هناك دراسات تشير إلى أن الطفل يسمع وهو في بطن أمه. وهذه الدراسات تنصح الأم أن تكلم طفلها في كل مراحل حياة طفولته، وذلك حتى يكثر وعيه. فمثلاً إذا قامت الأم للمطبخ تستطيع أن تضع طفلها بجانبها ثم تكلمه بما تقوم به من أعمال، فتقول مثلاً أنا سأطبخ الكبسة، وهذا هو الرز وضعته في القدر، وسأضع فوقه الماء، … الخ. فقد أشارت الدراسات الحديثة أن هذا الكلام يؤدي إلى زيادة وعي الطفل. ولعلنا نفهم من هذا كله لماذا كان ابن عمر رضي الله عنه إذا أراد أهله أخرج الأطفال من غرفته حتى الرضيع منهم.


درجات الصوم


نشر الساعة: 05:34 ص بتاريخ: 2007-أغس- 3
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

درجات الصوم

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12179

23 رمضان 1420 هـ الموافق 31 ديسمبر 1999م، ص 24

لقد أوضحت الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، عدة أمور. أولها أن الصيام فرض على المؤمنين، وثانيها أنه قد فُرض على الأمم السابقة، وثالثها أن هذه العبادة قد قُصد منها أساساً زيادة التقوى. فالصوم يكون بالامتناع عما هو حلال أصلاً، ومن استطاع أن يضبط نفسه ويمتنع عن الحلال لفترة محدودة فإنه يوطِّن نفسه على الامتناع عما ليس بحلال.

والتقوى محلها القلب، كما أشار إلى ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد عرَّفها الإمام علي رضي الله عنه بأنها: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وإذا استطعنا أن نحصل على هذا من الصيام فقد أخذنا بحظ وافر. ولهذا فإن من أدى الصوم إيماناً واحتساباً فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه. ولهذا أيضاً ورد في الحديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". فمن صام عن الطعام ولم يغير شيئاً من أعماله السيئة التي كان يعملها قبل رمضان فإن التقوى لم تعرف إلى قلبه سبيلاً. لأن التقوى، وإن كان محلها القلب، إلا أنها تظهر على الجوارح. وهذا ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه".

ومن أحسن ما قرأتُ في موضوع الصوم ما كتبه حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله. فقد قسَّم الصوم إلى ثلاث درجات. أولها صوم العموم، وهو كفُّ البطن عن الطعام، وكف الفرج عن قضاء الشهوة. وثانيها صوم الخصوص، وهو، إضافة إلى ذلك، كف البصر واللسان والسمع واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وهذا صوم الصالحين. وثالثها صوم خصوص الخصوص، وهو صوم القلب عن الهمم الدنيَّة والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، وهذا صوم الأنبياء والصدِّيقين والمقرَّبين. وحيث أن هذا الكلام قد يُفهم منه الانقطاع عن الدنيا، فإنه - رحمه الله - بيَّن أن الدنيا التي تُراد للدين تكون من زاد الآخرة.

وهذه نقطة في غاية الدقة، فهؤلاء نفر من الصحابة يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يريدون أن يزيدوا عليها، فيقرر أحدهم أن يصوم فلا يفطر، ويقرر الثاني أن يقوم فلا ينام، ويقرر الثالث أن يعتزل النساء. فيأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ويوضح لهم أنه أتقاهم لله، ومع ذلك فهو يصوم ويفطر، ويقوم ويرقد، ويتزوج النساء، ثم يقول بصريح العبارة: فمن رغب عن سنتي فليس مني. لقد أراد أن يقول للبشرية بأن السلبية ليست هي الطريق المؤدية للفلاح، وإنما طريق الفلاح هو بالإيجابية التي تتعامل مع الحياة كما هي، ولكن يبقى فرق بين التقي وغيره، فالأول تكون الدنيا في يده، وينوي أعماله كلها لوجه الله. أما الآخر فإن الدنيا تكون في قلبه، وأعماله لا يقصد بها أو لا تكون خالصة لوجه الله.

وفوائد الصيام كثيرة، فبالإضافة إلى الفوائد العبادية هناك الفوائد الاجتماعية، وهناك الفوائد الاقتصادية، وهناك الفوائد الطبية، وهناك غيرها. وفي موضوع الفوائد الطبية للصيام وقعتُ على مجلة علمية متخصصة في أبحاث صيام رمضان، وهي بالإنجليزية ولها موقع على الإنترنت. وفيها بعض الأبحاث القيِّمة، وفيها أيضاً جزء خاص يعطي ملخصات أبحاث الصوم المنشورة في مجلات أخرى.

والطريف أن هناك فئات في المجتمعات الغربية غير الإسلامية توصلت - من خلال الدراسات العلمية أو التجريبية - إلى أهمية الصوم كأسلوب للعلاج من الأمراض. وهناك مواقع عديدة على الإنترنت تتكلم عن الصوم، ومن أهمها المركز العالمي للصوم، الذي له مجلة على الإنترنت. ولا أريد أن أطيل الكلام عنه، إنما يكفي أن أقول أن هذا المركز له برامج صوم مختلفة ينصح بها الناس لعلاج أمراض مختلفة. وقد جاء في إحدى الرسائل المنشورة في المجلة عن سيدة أمريكية، تبلغ من العمر (54) عاماً، حيث كتبت تقول: لقد قررتُ أن أجرب برنامجكم الخاص بصيام (20) يوماً، واضعة أمامي عدة أهداف وهي: زيادة الطاقة، إنقاص الوزن، إيقاف الرغبة في أكل الحلويات وغيرها من المأكولات غير المفيدة، التخلص من سموم الجسم، تحسين الصفاء الذهني. ويجب أن أقول أن كل هذه الأهداف قد تحققت. غير أن الفائدة الكبرى التي استفدتها من الصوم هي التخلص من مشكلة الجيوب الأنفية المزمنة التي كانت عندي، والتي قاومت كل المعالجات التي جربتها من قبل. لقد كنت أستعد لإجراء عملية جراحية قبل تجريب برنامج الصوم، كما كنت أضطر لوضع البخاخ الأنفي كي أستريح في نومي، ولكن كل هذا قد مضى. فالجيوب الأنفية تحسنت بمقدار تسعين في المائة، ولم أعد أحتاج البخاخ الأنفي، كما تحسنت حالة الربو التي أعاني منها منذ أكثر من عشر سنوات. ولذا فأنا أنصح كل أحد – وبلا تردد - بأن يجرب برنامج الصوم إذا كان لديه الرغبة في الاهتمام بصحته. ولقد وجدتُ الصوم أسهل مما كنت أتوقع، إلا أنه يحتاج بعض الانضباط.

وحسبما جاء في المجلة فإن هناك مصحات في ألمانيا والسويد تعالج مرضاها بالصيام تحت إشراف أطباء. ومن الأمراض التي تتم معالجتها في هذه المصحات: بعض أمراض القلب، والاضطرابات الهضمية، وبعض أمراض الروماتيزم، وبعض الحالات الجلدية. أما في روسيا فإن الصوم يُستخدم منذ نصف قرن كأفضل علاج لمرض انفصام الشخصية، حيث تتحسن الحالة النفسية لـ (70%) من المرضى بعد صوم مدته بين (20) و (30) يوماً. أما في اليابان فإن هذه النسبة وصلت إلى (87%). ويؤكد أحد أساتذة الطب في نيويورك بأن الصيام ليس تجويعاً.

وفي الحقيقة فإنني لا أعرف كيفية الصوم المذكور في كل هذه الحالات، إنما يكفي أن أقول بأن المركز العالمي للصوم عنده برامج مختلفة أقلها عشرون يوماً، وأكثرها مائة يوم. وهو يعطي الوصفة حسب حالة المريض الذي ينشد الخلاص من أمراضه. وبالطبع فإن هذا المركز لا يقدم خدماته مجاناً، وإنما لقاء رسوم يأخذها من هؤلاء المساكين الذين لا يعرفون عن صومنا شيئاً. ولا أدري أن كنا نحن أيضاً مساكين فكثيرون منا يعوضون ما فاتهم من طعام خلال النهار بمضاعفة كميات الطعام بعد الإفطار، مما يعني عدم استفادتهم من الصوم من الناحية الطبية على الأقل.


بق الألفية والعد التنازلي


نشر الساعة: 12:35 ص بتاريخ: 2007-أغس- 3
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

بق الألفية والعد التنازلي

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12172

16 رمضان 1420 هـ الموافق 24 ديسمبر 1999م، ص 10

البقُّ في اللغة العربية جمع البقَّة، وهي البعوضة، هكذا وردت في مختار الصحاح. ويُطلق عليها في الإنجليزية (bug)، ولعلها مأخوذة من العربية. وللكلمة الإنجليزية معانٍ أخرى عندهم، فهي تُطلق على كل حشرة، كما تُطلق على أي علَّة في أي جهاز. وفي برامج الحاسوب هي خطأ أو خلل أو قصور غير متوقع يسبِّب مشكلة. وقد أُطلق على مشكلة العام 2000 بق الألفية (millennium bug)، لأنها قصور في عملية برمجة التاريخ في الحاسوب، يؤدي إلى عدم مقدرة الحاسوب على التفريق بين العام 1900 والعام 2000، وذلك لأن برمجة التاريخ في الحاسوب بدأت بوضع خانتين للسنة (هما خانتا الآحاد والعشرات) بدلاً من أربع خانات (أي مع المئات والآلاف). كما يُطلق على هذه المشكلة اختصاراً مصطلح الـ Y2K، وقد فصَّلتُ ذلك في مقال سابق في عكاظ. وجدير بالذكر أن العام 2000 هذا ليس هو بداية الألف الثالثة من التاريخ الميلادي ولا هو بداية القرن الحادي والعشرين، كما يظن كثيرون في أنحاء العالم، وإنما بدايتهما ستكون بعد انتهاء العام 2000، أي في اليوم الأول من العام 2001 كما شرحتُ ذلك في مقالي المنشور في الشرق الأوسط حول هذا الموضوع. ولكن مشكلة العام 2000 ستكون في نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أي لم يبق عليها سوى أيام. وإذا أردتَ أن تعرف عدد الأيام والساعات والدقائق والثواني المتبقية على حصول تلك المشكلة فهناك مواقع على الإنترنت تعطيك العد التنازلي هذا.

ومذ أن انتبه أهل الحاسوب لهذه المشكلة منذ عدة سنوات والاستعدادات على قدم وساق في كل بلدان العالم لحصر الأجهزة غير المتوافقة مع العام 2000 من أجل إصلاح الخلل فيها. وتم تشكيل لجنة وطنية في أغلب البلدان من أجل هذه المشكلة التي شغلت بال المسؤولين الكبار، قبل أن تشغل بال أهل الحاسوب، وذلك خوفاً من الأخطار التي قد تنجم عنها لو لم يتم تصحيح الخطأ في الوقت المناسب. وفي المملكة تشكلت اللجنة الوطنية لمشكلة العام 2000 في العام 1997، علماً بأن هناك جهات تشكلت فيها لجان قبل ذلك، مثل الخطوط الجوية العربية السعودية. ومهمة كل لجنة وطنية لمشكلة العام 2000 في أي بلد هي متابعة اللجان الفرعية في كل القطاعات ومعرفة جاهزيتها وتوافق الأجهزة التابعة لها مع العام 2000.

وقد كلف إصلاح هذا الخلل مليارات الدولارات، وهناك مَن أوصل هذا الرقم إلى أكثر من تريليون من الدولارات (أي أكثر من ألف مليار دولار). وهناك لجنة عالمية تقوم بتصنيف كل الدول حسب جاهزيتها لمواجهة العام 2000. وتم تصنيف المملكة بين الدول الجاهزة لمواجهة العام 2000 دون مشكلات تُذكر.

وكان من الطبيعي أن تُصنف مختلف القطاعات حسب سُلَّم أولويات معيَّن. فالقطاع المالي تم إعطاؤه أولوية قصوى في كل البلدان وذلك حفاظاً على الاقتصاد من ناحية، ومن ناحية ثانية نظراً لاعتماد المصارف (البنوك) على استخدام الحاسوب في كل أعمالها. وتلا ذلك قطاع الخدمات العامة مثل الاتصالات، والطاقة الكهربائية، والنقل الجوي وما يلحق به، وتوصيل المياه، وما شابه ذلك من خدمات.

ويُلاحظ أن سبب المشكلة هو قصور العقل البشري الذي لم يتوقع حصولها عند بداية تصميم الحاسبات، حيث تمت برمجة التاريخ فيها مختصراً، وذلك بغية التوفير في الحيز الذي يأخذه التاريخ من ذاكرة الحاسب، فقد كانت الذاكرة في ذلك الوقت صغيرة وكان التوفير فيها مهماً. وإذا كان قصور العقل البشري هو السبب في حدوث المشكلة أساساً فإنه ليس غريباً أن تبقى بعض الأجهزة الصغيرة غير متوافقة مع العام 2000 رغم كل الاحتياطات المتخذة. ولذا فإنه ليس عجباً أن تكون هناك دول متخوفة من حصول مشكلات غير متوقعة، وقد جاء في الأخبار أن بعض الوزراء في فرنسا سيقضون ليلة رأس السنة في مكاتبهم ليكونوا جاهزين لتوجيه الأوامر المناسبة إن حصلت مفاجآت عندما تشير الساعة إلى 12.00 ليلاً في آخر يوم من أيام العام 1999 ويدخل العام 2000. كما جاء في الأخبار بأن الطيارين البريطانيين أعلنوا أنهم لن يطيروا إلى أماكن معينة في العالم، وهي الأماكن التي ثبت أنها غير جاهزة لمواجهة مشكلة الألفية.

ورغم كل التأكيدات في البلدان المتقدمة على جاهزيتها لمواجهة المشكلة إلا أن تلك الدول نبَّهت الناس إلى أن يحتاطوا لأي طارئ قد يحصل، لاسيما للأماكن البعيدة، التي قد تنقطع عنها الطاقة الكهربائية أو خدمة الهاتف أو غير ذلك من الخدمات. لاسيما وأن كل شيء اليوم يتم تشغيله بالكهرباء، بدءاً من المضخات التي ترفع الماء إلى الخزان العلوي، إلى مضخات محطات التزود بالوقود، إلى آلات سحب العملة. وباختصار كل شيء.

ولذا فإنهم نبَّهوا الناس إلى أن يكون لديهم بعض الأطعمة التي لا تحتاج لثلاجة، كما طلبوا منهم أن يتزودوا ببعض الأدوية التي تؤخذ بشكل دائم مثل أدوية الضغط والسكري، وأن يكون لديهم شموع، وكذلك أنوار وجهاز مذياع تعمل كلها بالبطارية. وكذلك طلبوا منهم أن يكون لديهم بعض النقود، لأن بعض آلات الصراف الآلي قد لا تعمل، وكذلك أن يملأ كل واحد خزان سيارته بالوقود. كل هذا تخوفاً من أن يحصل مشكلات صغيرة محلية لم يُنتبه إليها في الوقت المناسب. على أن ذلك كله ينبغي أن يتم بهدوء، دون إحداث أي مشكلة، لأن أي مشكلة غير متوقعة في أي جهاز سيتم تحديدها وإصلاحها خلال أيام بإذن الله.

وهؤلاء الذين يستخدمون الحاسب الشخصي في البيت أو في العمل يُنصحون بحفظ نسخ من ملفاتهم المهمة على أقراص مرنة تحسباً لأي مشكلة. والذين يستخدمون الإنترنت يمكنهم زيارة المواقع العديدة التي تتكلم عن المشكلة، وذلك من خلال عمليات بحث تحت عنوان Y2K.

هناك بعض الأجهزة المنزلية قد لا تكون متوافقة مع العام 2000 لأن التاريخ داخل في برمجتها، مثل بعض الأجهزة الطبية الشخصية، وبعض أجهزة الفيديو وآلات تصويره، وبعض أجهزة الأمن والسلامة.

بقي أن أشير إلى أن بعض الفرق غير الإسلامية لديها اعتقاد بأن العام 2000 لن يأتي لأنه نهاية الحياة الدنيا. أما المسلمون فيعتقدون جازمين بأن علم الساعة عند الله وحده، والمطلوب منا أن نكون دوماً مستعدين للرحيل، فطوبى لمن أحسن العمل، وجاء ربه بقلب سليم.


لغز الصندوق الأسود


نشر الساعة: 04:33 م بتاريخ: 2007-أغس- 2
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

لغز الصندوق الأسود

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12137

11 شعبان 1420 هـ الموافق 19 نوفمبر 1999م، ص 18

منذ حصول الحادث المؤلم لطائرة الخطوط المصرية والذي راح ضحيته (217) فرداً من الطاقم والركاب والأسئلة تنهال مستفسرة عن كثير من أمور الطيران واحتمالات الأسباب التي أدت إلى هذا الحادث الذي لا يسعنا إلا أن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل ضحاياه بواسع رحمته. ولقد كان من المفروض أن يأتي هذا المقال مبكراً، ولكن المعلومات عن الحادث لم تكتمل بحيث تكون التحليلات مبنية على معلومات علمية دقيقة.

ورغم المتابعة اليومية لمختلف مواقع الأخبار العالمية على الإنترنت فإن المعلومات التي أمكن الحصول عليها لم تزد الأمر إلا لبساً وتعقيداً.

وقد قامت وسائل الإعلام بنقل أخبار هذا الحادث بإسهاب. وتم عرض تحليلات مختلفة، كان كثير منها يظهر اليوم ويتم نفيه في الغد. وقد أوردت الـ CNN أخباراً من الشارع المصري تبين أن الناس هناك يعتقدون بوجود مؤامرة من أعداء مصر في الخارج، سموهم بالاسم، كانوا وراء الحادث الأليم، مشيرين في هذا الصدد إلى حادث طائرة الـ TWA التي قيل في أحد تفسيراتها أنها ضُربت بصاروخ. كما أوردت الـ CNN مقابلات مع أقارب الطيار والطيار المساعد وقد أكدوا على أنهما لا يعانيان من أي مشكلة نفسية. أما أقارب الضحايا فكانوا يسألون عن مصير الجثث التي لم يبق لها أثر، في حين قالت ابنة الطيار: لا يهم أين جثة والدها، فهي تعرف أنه في الجنة. أما في أمريكا فإن الأنظار تتجه إلى وجود مؤامرة داخلية في مصر كانت وراء الحادث. وعلى كل حال فإن هذه تفسيرات لا تغنى من الحق شيئاً. ومن هنا فقد انتقدت صحيفة الشرق الأوسط الصحف البريطانية، المعروفة بدقتها، انسياقها وراء التحليلات غير الصحيحة.

ولقد قامت إحدى المجلات بعمل استطلاع للرأي، عبر الإنترنت، حول أسباب الحادث، ساهم فيه حوالي (7500) فرد، فكانت النتيجة كالتالي: (40%) يظنون أن السبب هو حصول عطل فني، (7%) يظنون أنه بسبب خطأ من الطيار، (25%) يظنون أنه نتيجة عمل إرهابي، (7%) يظنون أنه نتيجة لأسباب أخرى، والباقي كانوا غير متأكدين. وبالطبع فإن هؤلاء قد بنوا آراءهم على المعلومات التي أخذوها من وسائل الإعلام، وهي ليست معلومات علمية بأي حال من الأحوال.

وللأسف فإنه في مثل هذه الحوادث قد يصعب قول الحقيقة لأن تحديد سبب الحادث يضع مسؤوليات كبيرة على الجهة المسؤولة سواء أكانت الشركة الصانعة للطائرة، أو الشركة المشغلة للطائرة، أو الجهات المسؤولة عن سلامة الطيران في البلد الذي حصل فيه الحادث.

الصندوق الأسود والتأخر في انتشاله زاد الغموض غموضاً، وهو في الحقيقة صندوقان وليس واحداً، تحملهما طائرات الركاب المدنية، وهما مهمان جداً في استقصاء أسباب حوادث الطائرات. وكل واحد منهما عبارة عن مسجل. أما الأول فهو لتسجيل كل معلومات الطائرة مثل الزمن والارتفاع والسرعة والاتجاه. ويسجل المعلومات باستمرار خلال (25) ساعة. وأما الثاني فهو مسجل للأصوات داخل مقصورة القيادة. وهو حساس جداً بحيث أنه يسجل أدنى صوت. ومدة تسجيله تتراوح بين نصف ساعة وساعتين حسب نوعه. وكلا الصندوقين يتم تصميمه ليتحمل ظروفاً قاسية مثل قوة صدم عالية جداً، ودرجات حرارة أكثر من ألف ومائة درجة مئوية، وضغط الماء حتى لو كان على عمق (20) ألف قدم تحت سطح البحر. وفي العادة فإن بطاريته عمرها ثلاثون يوماً. وهو يصدر إشعاعات تدل على مكان وجوده بحيث يمكن تحديد موقعه في أي حادث.

أما مكان الصندوق الأسود داخل الطائرة فهو على محور بدن الطائرة في منطقة الذيل، لأن احتمال بقاء هذه المنطقة بلا انكسار في أي حادث هو احتمال مرتفع. ولكن المشكلة في هذا المكان هو بعده عن مصدر الطاقة الذي يشغله والذي يكون في مقدمة الطائرة، مما يعني أنه في أي حادث قد تنقطع توصيلات الطاقة عن الصندوق الأسود ويتوقف عن التسجيل. وهذا ما حصل فعلاً في حالات كثيرة حيث ضاعت المعلومات في (52) حالة خلال السنوات الست عشرة الماضية.

وهناك أمر مهم في معلومات الصندوقين الأسودين، وهو مطابقة تزامن المعلومات التي في الأول مع تزامن التسجيلات التي على الثاني، ثم مطابقة ذلك مع تزامن المعلومات التي على الرادار. وسبب ذلك هو أنه لا ارتباط بين هذه المعلومات من حيث الزمن. ولذا فإنه من الضروري إجراء هذه المطابقة بحيث يتم معرفة تزامن المعلومات، وهذا مهم جداً في تحليل أسباب أي حادث.

والطائرة المنكوبة هي من طراز بوينغ 767، وهي ذات تقنية عالية، ومن المقاس المتوسط في طائرات الركاب، وذات محركين، ويبلغ مداها أكثر من (11) ألف كيل. ووزنها فارغة حوالي (90) طناً، أما وزنها مع كامل حمولتها فحوالي (187) طناً. وتحمل أكثر من (90) ألف ليتر من الوقود. ومنذ ظهورها قبل حوالي عشر سنوات لم يحصل فيها سوى حادث مؤلم واحد للخطوط السويسرية فوق تايلاند في العام 1991م حيث اشتغلت أنظمة الدفع المعاكس خلال صعود الطائرة مما أدى إلى سقوطها وتحطمها وموت كل من كان فيها. أما حادث الخطوط الأثيوبية في العام 1996 فكان سببه حادثة اختطاف وتحويل المسار، فنفد وقود الطائرة وحاولت الحط على الماء ونتج عن ذلك حادث راح ضحيته (117) من الركاب وعشرة من الطاقم.

ورغم حوادث الطائرات فإن الطيران كوسيلة للنقل لا يزال أكثر أماناً من النقل البري أو البحري. فعدد حوادث الطائرات أقل بكثير من حوادث الطرق، وكذا الحال مع أعداد الضحايا. وإذا افترضنا أن الإنسان مادام راكباً في وسيلة نقل فهو معرض للخطر، فإننا ببساطة يمكن أن نقول أن تعرضه للخطر في الطائرة هو أقل بكثير من غيرها. فمثلاً يتعرض راكب الطائرة للخطر خلال ساعة ونصف في رحلة بين جدة والرياض، في حين يكون معرضاً للخطر خلال عشر ساعات براً. ولكن المشكلة في حوادث الطائرات هو أن عدد الضحايا يكون في العادة كبيراً في حادث واحد إذا ما قيس بعدد ضحايا السيارات. غير أن حوادث القطارات والبواخر تكون أعداد الضحايا فيه أكثر بكثير.


لماذا يستقيلون 3 / 3


نشر الساعة: 12:32 ص بتاريخ: 2007-أغس- 2
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

لماذا يستقيلون 3 / 3

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12165

9 رمضان 1420 هـ الموافق 17 ديسمبر 1999م، ص 16

في مقالين سابقين كان الكلام عن الأسباب والدوافع نحو تقديم الاستقالة من العمل، والحوافز الفعالة التي تجعل الشركات تحتفظ بالموظفين النشيطين الذين ترتكز عليهم في تحقيق أرباحها واستمرار نجاحها واستقرارها. واستكمالاً للموضوع هناك نقاط أخرى لابد من ذكرها. ومن أهمها أن بعض المديرين ينظر إلى بعض الوظائف الصغيرة على أنها ليست ذات قيمة، وذلك لأنها لا تتطلب مهارة، ويمكن لأي أحد أن يقوم بها، ويمكن تعويض المستقيلين من هذه الوظائف بسهولة لأن العرض فيها أكثر من الطلب. وقد يكون هذا صحيحاً، ولكن هل من الصحيح أن ندرب موظفاً صغيراً، كالمراسل مثلاً، على عمل، ثم ندعه  يترك العمل ونأتي بغيره لنبدأ التدريب من جديد، وكأننا ليس لدينا عمل سوى تدريب هؤلاء على الأعمال البسيطة المطلوبة منهم؟.

إن الشركات التي تريد زيادة الإنتاجية لا تهمل أي فرد فيها مهما كانت وظيفته. فإذا شبهنا الشركة بسيارة فيمكن القول بأن المحرك هو أهم جزء فيها لأنه لا فائدة في السيارة إذا كان المحرك عاطلاً. ولكن هل يمكن إهمال الأجزاء الأخرى في السيارة مهما صغرت. انظر مثلاً إلى المسامير التي تربط العجلات، وقل لي كيف تسير السيارة إن بقيت عجلة واحدة من دون ربط. واحكم على باقي الأجزاء بالطريقة نفسها. فإذا عاملنا ذوي الوظائف الصغيرة معاملة طيبة ومماثلة لمعاملة الآخرين ذوي المناصب العالية فإنهم يتولد عندهم ولاء وحب للشركة يكون في صالحها. والمعاملة العادلة لا تعني أبداً أن يأخذ الجميع الراتب نفسه، وإنما يكون لهم حقوق متماثلة. فإذا تم توزيع مكافآت فيجب أن ينال الصغار منها، كل حسب مهماته وراتبه.

يقول مدير إحدى الشركات: عندما استلمت الشركة دعوت العاملين فيها جميعاً (بما في ذلك المراسل وعامل النظافة) إلى تناول العشاء بعد وقت الدوام. وبعد العشاء طرحت عليهم وضع الشركة الحرج والأرباح الهامشية التي سبق أن حققتها، ثم قارنتها مع الشركات المنافسة، ووضعت أمامهم الهدف الذي تريد شركتنا أن تحققه في ذلك العام، ووعدتهم جميعاً بمكافآت كنسبة من الأرباح الزائدة التي نصبو إليها. ولقد كان اهتمامي بالموظفين الصغار مساوياً لاهتمامي بغيرهم. فهؤلاء بعيدون عن الأرقام عادة، وهذا يجعلهم يظنون أن الشركة تحقق أرباحاً هائلة على حساب جهدهم. وقد كانت النتيجة ممتازة، حيث عمل الجميع على تحقيق الهدف. أما في السابق فقد كان كل موظف يطالب بزيادة بالراتب ظناً منه أن الشركة في وضع مادي جيد.

وبضدها تتميز الأشياء، هكذا يقولون. فلنقارن إذاً هذا المدير الناجح ومعاملته للموظفين الثانويين مع مدير آخر يمتلك أحد الأسواق التجارية، فقد قام هذا بصرف إمام مسجد السوق لأنه كان ينظر إليه على أنه يأخذ راتباً (وإن كان متواضعاً) ولا يأتي منه دخل للسوق، وأتى مكانه بإمام غير عربي (لا يحسن نطق الحروف) براتب بخس. وكانت النتيجة أن الناس الذين كانوا ينجذبون بالصوت الندي إلى مسجد السوق للصلاة فيه ثم لشراء احتياجاتهم منه انفضوا عنه إلى غيره. مما جعل مستأجري المحلات التجارية في السوق يتذمرون.

وفي هذا المجال أيضاً أذكر ما سمعته في أحد المؤتمرات عن التعليم الهندسي، فقد ذكر عميد كلية الهندسة في إحدى الجامعات العربية أن وزارة المالية في بلده تنظر إلى الجامعة على أنها مؤسسة استهلاكية، تنفق من الأموال العامة دون أن يأتي منها عائد إلى الخزينة. ويضيف: لقد حاولنا إقناعهم بأننا مؤسسة إنتاجية، لأننا ننتج أغلى سلعة في عالم الإنتاج، ألا وهي المهندسون، ولكن دون جدوى. ومع ضغط النفقات وفقدان الأساتذة للميزات وانعدام الحوافز بدأوا يتسربون من الجامعة إلى القطاع الخاص، أو للعمل في دول الخليج. وكانت الطامَّة أكبر عندما سمع بذلك الموفدون للدراسة في الخارج، فقرر كثير منهم عدم العودة، حيث لم يرجع منهم إلا من كان مستواه العلمي لا يؤهله للحصول على عمل في الخارج، أو من لم يرضَ أن يبقى في الغرب حفاظاً على أولاده. وكانت النتيجة أن اضطرت الجامعة لاستقدام أساتذة من الخارج لسد النقص.

ومن قصص عدم الاهتمام بالموظفين الصغار ما حصل في إحدى الشركات التي كان لديها أرض واسعة حول المبنى، فتم توظيف جنائني ليقوم على تنسيق حديقة جميلة في هذه الأرض والاعتناء بها. وبعد فترة أثار أحد الإداريين نقطة بأن هذا الجنائني غير منتظم الدوام ولا بد من توظيف مَن يشرف عليه. وقد رد غيره بأنه مادام الجنائني يقوم بعمله على الوجه المطلوب فلماذا نقيده بالدوام الرسمي. ولكن غلب الرأي الآخر وتم توظيف مشرف عليه. وبعد فترة كانت هناك حاجة لتوظيف نائب للمشرف حتى يقوم بعمل المشرف عندما يكون هذا الأخير في إجازة أو عندما يكون مشغولاً في اجتماعات الإدارة. وهكذا أصبح في الشركة قسم اسمه قسم الجنائن. ومع كل خطة توسعة كان هذا القسم يطلب موظفين جدد أسوة بغيره من الأقسام. وبعد مدة أصبح في القسم عدة موظفين: مدير ونائبه، وسكرتير لهذا وآخر لذاك، وموظف للمراسلات الصادرة وآخر للواردة، وغيره لحفظ الملفات، وآخر لشؤون موظفي القسم، وموظف للرواتب، وناسخ على الآلة الكاتبة، ومختص بالحاسب لحفظ كل المعلومات على الحاسوب، وعدِّد غيرهم ما شئت فلن تخطئ. ولكن وضعاً كهذا لابد أن يؤدي بالشركة إلى الخسارة إن لم يكن إلى الإفلاس. فطلبت الإدارة من الأقسام ضغط النفقات، ومحاولة تقليص عدد الموظفين. فاجتمع قسم الجنائن بكامل أعضائه، طبعاً دون الجنائني الذي لا يحق له دخول المبنى حتى لا يؤذي موظفي القسم بثيابه غير النظيفة. وكان كلما طرح أحدٌ وظيفة في القسم يمكن الاستغناء عنها هبَّ صاحبها مدافعاً عن أهميتها، وردَّ بعنف متهماً صاحب الفكرة بالعداء الشخصي له، وطارحاً فكرة الاستغناء عن وظيفة صاحب الفكرة نفسه. وهكذا كاد الأمر ينتهي إلى العراك بالأيدي والكراسي. وأخيراً اتخذ القسم قراراً سديداً بالإجماع يقضي بالاستغناء عن الجنائني، وتخليص الشركة من مشكلة كانت ستؤدي إلى كارثة لو أن موظفي القسم تضاربوا من أجله.


لماذا يستقيلون 2 / 3


نشر الساعة: 05:50 م بتاريخ: 2007-أغس- 1
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

لماذا يستقيلون 2 / 3

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12151

25 شعبان 1420 هـ الموافق 3 ديسمبر 1999م، ص 12

في الأسبوع الماضي كان الكلام عن الأسباب والدوافع نحو تقديم الاستقالة من العمل. وخلصنا إلى أن الشركة التي تريد أن تزيد من إنتاجيتها وأرباحها فعليها أن تفكر بالحوافز الفعالة التي تجعلها تحتفظ بالموظفين النشيطين الذين ترتكز عليهم في تحقيق أرباحها واستمرار نجاحها واستقرارها. فما هي هذه الحوافز؟.

يفرِّق أهل التربية وعلم النفس بين الدوافع والحوافز. فيعرّفون الدافع بأنه "حاجة ناقصة تتطلب الإشباع، ويظل الفرد متوتراً حتى تُشبع الحاجة بدرجة معينة، فإذا أُشبعت عاد التوازن الجسمي أو الاجتماعي أو الروحي إلى ما كان عليه". أما الحافز فهو "أسلوب حث وتنشيط يرتكز على سد الحاجة النابعة من الدافع".

وعلى هذا فإنه كي نصل إلى الحوافز المطلوبة في مجال العمل يجب أن نعرف الدوافع الإنسانية. ومرة أخرى مع أهل التربية، فهم يصنفون الدوافع إلى ثلاثة مستويات. أولها الدوافع العضوية (كالجوع والعطش والنوم والزواج والبعد عن الألم وغير ذلك مما له علاقة بالجسم وأجهزته المختلفة)، ثم هناك الدوافع الدنيوية (كحب التملك وحب الاطلاع والتقليد والإنجاز والجاه والجمال وغير ذلك مما له علاقة بالإنسان من حيث وجوده في وسط مادي واجتماعي). ثم تأتي في أعلى القائمة الدوافع الأخروية (كالحاجات الروحية والدينية والعبادية والخُلُقية وغيرها مما له علاقة بكيان الإنسان وطمأنينته). ويمكن الاستزادة في هذا الموضوع بالرجوع إلى كتب التربية وعلم النفس، ومن أقربها إلى الفهم كتب د. عبد العزيز النغيمشي، الأستاذ في علم النفس.

ونتيجة لهذا فإن الحوافز يتم تصنيفها إلى حوافز عضوية، وحوافز دنيوية، وحوافز أخروية. وواضح أنه في مجال العمل ليس هناك سوى الحوافز الدنيوية، التي يقسمونها إلى حوافز مادية، وحوافز نفسية، وحوافز عقلية، وحوافز غيبية. أما المادية فتتمثل بالمال والهدايا والولائم وغير ذلك مما يحب الناس امتلاكه. وأما النفسية فتتمثل بالمدح والثناء والمحبة والمساندة والحماية وتوفير الجو الاجتماعي ونحوها. وأما العقلية فتتمثل بالتوجيه نحو الإنجاز والنجاح والرغبة في الاستطلاع والاكتشاف والاندفاع للتحدي والميل للتناسق والتكامل والمنطق وما شابه ذلك. وأما الغيبية فتتمثل بالتوجيه العبادي والسلوكي والأخلاقي والتحلي بالأمل والبعد عن اليأس ونحو ذلك.

وإذا علمنا هذا فإننا نستطيع أن نعدد بعض الأعمال التي يمكن أن تستخدمها الشركات كحوافز لموظفيها لإبقائهم فيها وثني عزمهم عن التفكير في الاستقالة:

1)    مراجعة الرواتب باستمرار.

2)    تقديم هدايا عينية تتناسب مع الإنجاز الذي استحق عليه الهدية.

3)    عمل الحفلات والولائم في المناسبات.

4)    توفير برامج فيها منفعة مادية مباشرة، مثل توفير السيارة من ضمن عقد العمل، أو المساعدة في بناء المساكن للموظفين عن طريق القروض طويلة الأجل.

5)    توزيع مكافآت (bonus) مالية سنوياً أو مع نهاية كل مشروع، كنسبة من أرباح المشروع. وهذه بالطبع تختلف عما يُعطى لموظفي المبيعات كنسبة من المبيعات لتشجيعهم على بذل مزيد من الجهد.

6)    بيع أسهم الشركة للموظفين بسعر رمزي. وهي أحدث طريقة في المكافأة حيث يشعر الموظف أنه يعمل لنفسه. وعدد الأسهم التي تُباع لكل موظف بهذه الطريقة يختلف حسب وظيفته في الشركة، وهذه الأسهم غير قابلة للبيع إلا عندما يترك الموظف الشركة. وفي أحد الأمثلة لموظف رفيع عمل أربع سنوات في إحدى الشركات كانت حصيلته حوالي ربع مليون دولار. وهو مبلغ جيد له، ولكن الشركة استفادت من خبرته أضعاف هذا المبلغ. ولقد أصبح الموظفون الكبار في شركة مايكروسوفت في أمريكا من أهل الملايين نتيجة لتطبيق هذه الطريقة التي أصبحت شائعة في أمريكا وأوربا وبعض البلدان الآسيوية.

7)    توفير الرعاية الصحية للموظف ومن يعول.

8)    توليد الولاء للشركة في نفوس موظفيها، وجعلهم يفتخرون بأنهم يعملون فيها.

9)    المدح والثناء وشهادات التقدير.

10)           إشاعة جو المحبة في مكان العمل.

11)           إنشاء النادي الاجتماعي الخاص بمن يعمل بالشركة وتزويده بما يناسبه.

12)           توفير التدريب المناسب والمستمر للموظفين، وإرسالهم لحضور ندوات أو مؤتمرات مناسبة لعملهم.

13)           جعل عقود العمل طويلة الأجل، أو تثبيت الموظفين الذي ثبتت كفاءتهم بوظائف ثابتة.

14)           تشجيع التنافس بين الموظفين في إنجاز الأعمال من أجل إشباع غريزة التحدي.

15)           تشجيع الإبداع والمبادرات والأفكار الجديدة.

16)           تمكين الموظفين من أداء واجباتهم الدينية بل وحثهم على ذلك.

17)           تثقيف الموظفين بأمور دينهم وتنبيههم – وبشكل مناسب – إلى الأخلاق الإسلامية الخاصة بالعمل.

18)           وغير ذلك كثير.

والقاعدة العامة في هذا هي أن تعرف الشركة كيف يريد موظفوها أن يُعاملوا فتعاملهم كما يريدون. ولقد ثبت عالمياً أن الموظف السعيد في عمله هو الذي يعطي الإنتاجية الممتازة ويحقق الربح لشركته. وفي الأسبوع القادم بإذن الله إكمال لبعض جوانب الموضوع.


لماذا يستقيلون 1 / 3


نشر الساعة: 05:36 ص بتاريخ: 2007-أغس- 1
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

لماذا يستقيلون 1 / 3

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12130

4 شعبان 1420 هـ الموافق 12 نوفمبر 1999م، ص 12

لماذا يقدم كثير من موظفي الشركات استقالاتهم رغم أن رواتبهم تبدو مرتفعة مقارنة بمن سواهم؟. سؤال لابد من الإجابة عليه للحد من سيل طلبات الاستقالة الذي تعاني منه كثير من الشركات في العالم.

فما هي الأسباب والدوافع لتقديم الاستقالة؟. لعل الأسباب كثيرة، ولكن يمكن إجمالها بالأسباب الرئيسية التالية:

1)    الراتب غير المتناسب مع الخبرة والعمل، فهذا مدير لتقنية المعلومات في أحد البنوك في إحدى دول الخليج العربي يبلغ راتبه الشهري حوالي عشرة آلاف دولار (معفاة من الضرائب) إضافة إلى مسكن واسع، وسيارة فخمة، وكلفة تعليم أولاده في المدارس، وتذاكر سفر له ولأسرته كل عام، ومع ذلك فهو يظن أنه مغبون. إنه يقارن نفسه بأمثاله الذين يعملون في أمريكا فيجد أن راتبه أقل من عادي، رغم أن كثيرين قد ينظرون إليه على أنه راتب مرتفع. فما بالك إذاً بمن هم دونه في الراتب والمزايا؟.

2)    عدم حصول الموظف على ترقية إلى وظيفة أعلى، لاسيما إذا كان يشعر بأن من حصل على ترقية لا يتفوق عليه. فالموظف الذي يبقى في منصبه لمدة طويلة ويرى أمثاله في شركات أخرى قد تقدموا عليه لابد أن يشعر بأنه مغبون، وأنه لو ترك العمل الحالي فإنه سيحصل على وظيفة أفضل.

3)    عدم وجود عقود طويلة الأمد، فهناك شركات عقود العمل فيها سنوية، وهناك شركات عقود العمل فيها متعلقة بمدة المشروعات التي تقوم الشركة بتنفيذها، مما يعني أن الوظيفة غير مستقرة، ولا يدري الموظف إن كان عقده سيُجدد أم لا، وهذا يجعله يسعى هو من طرفه لإيجاد البديل الأنسب في الوقت الذي يريده هو قبل أن يتم صرفه من العمل في الوقت الذي تريده الشركة.

4)    وصول الموظف إلى درجة يشعر فيها أنه لم يعد يزداد خبرة في شركته الحالية. فالموظف (الجيد) يبدأ عمله في أي شركة متحمساً، حيث يكون كل شيء جديد عليه فيبذل جهده في سبيل إتقان عمله وتعلم المزيد، ولكن إذا بقي في عمله هذا دون ترقية أو تدريب أو فرصة للاطلاع على ما هو جديد فإنه يملُّ عمله فيؤديه وهو غير مكترث. وفي هذه الحالة فمن الأفضل له أن يغادر إلى عمل جديد.

5)    الرغبة في الانتقال إلى عمل فيه تحديات بحيث تجعله يستخدم خبرته وإبداعه. وهذا السبب هو تتمة للسبب السابق. فإذا استطاعت الشركة أن تعطيه ترقية أو تدريباً على عمل جديد أو تدعه يحضر المؤتمرات والندوات ذات الصلة بعمله فقد تستطيع أن تقنعه بأن البقاء في عمله عندها فيه فائدة مستمرة.

6)    الرغبة في التغيير، ولاسيما إذا كان جو الشركة فيه مشاحنات أو مضايقات أو تكتلات. وكثير من الناس يحبون التغيير. وانظر إليهم كيف يحبون تغيير المسكن والسيارة كل فترة، وكذلك فإن تغيير مكان العمل يبعث روح النشاط والحيوية من جديد.

7)    وقد يترك الموظف العمل لتأسيس شركة أو مؤسسة خاصة. وهذا ينطبق على من كانت طموحاته كبيرة، حيث يستطيع أن يكون مديراً بدل أن يبقى تحت إمرة الآخرين.

فإذا كانت الشركة حريصة على زيادة الإنتاجية، وزيادة الأرباح، وحريصة أيضاً على تحقيق نجاح مستقر طويل الأمد، فإن عليها أن تدرس بإيجابية وموضوعية الأسباب الحقيقية وراء كل طلب استقالة، وأن تعمل على إزالة هذه الأسباب. وقد يتبادر إلى ذهن بعض أصحاب الشركات أنه بالإمكان الاستغناء عن كل من يتقدم بطلب استقالة، لاسيما إن كان من أصحاب الرواتب المرتفعة، وتوظيف عدة أفراد مكانه قد لا يصل مجموع رواتبهم إلى مثل راتبه. فهل هذا التفكير صحيح؟.

يقول المثل العربي: إن ما تضعه في القدر هو الذي تأخذه بالمغرفة. ويماثله في اللغة الإنجليزية قولهم: (cheap input leads to cheap output). فإذا كان موظفوك من أصحاب القدرات المحدودة فلا تتوقع أن يكون العائد منهم كبيراً. ولذا فإنه غير صحيح أن يتم الاستعاضة عن المنتِج والمبدِع وصاحب الأفكار الجديدة التطويرية فقط لأنه يطلب المزيد. بل على العكس يجب التفكير جدياً بالحوافز التي تستطيع بها الشركة أن تحتفظ بأصحاب القدرات بحيث لا يفكر أحدهم بالاستقالة، مادام أن العائد منه يفوق أضعاف راتبه. أما أن تطمع الشركة وتظن أنها تستطيع أن تضغط النفقات بقبول استقالة أصحاب الرواتب المرتفعة فهذا خطأ كبير. ولقد جربت بعض الشركات هذا فكانت النتيجة مزرية. فما الذي حصل بالضبط؟. في بعض الشركات انخفض العائد بشكل كبير بعد أن استقالت العقول المفكرة، حيث أن البدائل الجديدة لم تكن بمستوى سابقتها من حيث الخبرة والأفكار الإبداعية. وفي إحدى الشركات كان البديل على درجة معقولة من الخبرة والإبداع، ولكن لم تمضِ فترة حتى أصبح يطالب بمزايا إضافية، ولم يلبث أن استقال عندما لم يحصل على مطالبه. وهكذا أصبحت شركة مثل هذه محطة في منتصف الطريق يتزود منها الأفراد بخبرة سنتين أو ثلاث يضيفونها إلى رصيدهم السابق ليصبحوا مؤهلين للعمل في مكان آخر يقدم مزايا أفضل. ولو فكرت الشركة فقط في كلفة الإعلان عن الوظائف ودفعتها إلى موظفيها الحاليين للاحتفاظ بهم لكان التوفير أكبر.

على أن هذا الكلام لا يعني أبداً أن تبقى الشركة رهينة بقرار استقالة فلان أو غيره، إذ لابد من إعداد البدائل المؤهلة التي تستطيع أن تقود العمل عند الحاجة. وفي الأسبوع القادم بإذن الله تتمة لبعض نقاط الموضوع.


من عجائب الأقدار


نشر الساعة: 08:02 م بتاريخ: 2007-يول-31
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

من عجائب الأقدار

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12122

26 رجب 1420 هـ الموافق 4 نوفمبر 1999م، ص 20

في أحد المؤتمرات السنوية لعلم الطب القضائي (أو الطب الشرعي) أدهش رئيسُ الجمعية الأمريكية لعلوم الطب القضائي الحاضرين بالتفصيلات والتعقيدات القانونية لحادث غريب راح ضحيته شاب في مقتبل العمر. فقد أثبت الطبيب الشرعي أن الشاب قد مات نتيجة إصابة بالرأس من طلقة مسدس. وكان الشاب قد قرر الانتحار وصعد إلى أعلى مبنى مؤلف من عشرة أدوار ورمى بنفسه من سطح المبنى، وذلك بعد أن كتب ورقة شرح فيها أن سبب عزمه على الانتحار هو حالة اليأس التي وصل إليها. ولدى مروره من أمام إحدى النوافذ في الدور التاسع خرجت رصاصة من تلك النافذة فقتلته في الحال. ولم يكن الشاب يدري أن هناك شبكة حماية مرنة قد تم وضعها عند الدور الثامن لتكون أماناً للعمال الذين يقومون بأعمال الصيانة على سطح المبنى بحيث إذا وقع أحدهم من السطح يسقط عليها فيتم إنقاذه بدل أن يقع على الأرض فيموت. وبالتالي فإن الشاب لم يكن ليتمكن من إتمام مخططه في الانتحار كما أراد، ولكن الرصاصة الطائشة عاجلته فمات.

في الحالة الطبيعية إذا عزم إنسان على الانتحار بطريقة اختارها بنفسه ثم مات بآلية غيرها في أثناء التنفيذ فإنه يُعتبر منتحراً. ولكن في هذه الحالة مات الشاب بالطلقة النارية ولم يمت من جراء سقوطه لأنه وقع على شبكة الحماية المرنة.

ولدى التحقيق تبين أن الدور التاسع الذي خرجت منه الطلقة النارية يسكنه رجل كبير السن مع زوجته، وأنه في تلك اللحظة كان في حالة مشاحنة شديدة مع زوجته، وقد هددها بالمسدس الذي كان معه، ثم وصل به الحال إلى إطلاق النار، ولكن الطلقة أخطأتها وخرجت من النافذة فقتلت ذلك الشاب الذي مر في تلك اللحظة من أمام النافذة. وطبيعي أنه إذا حاول إنسان قتل إنسان آخر فأخطأه وقتل إنساناً ثالثاً فإنه يكون قد ارتكب جريمة قتل الثالث هذا.

ولدى مواجهة الرجل بتهمة القتل أصرَّ هو وزوجته بأنه لم يكن ينوي ارتكاب جريمة قتل زوجته، حيث أن من عادته تهديد زوجته بمسدسه الخالي من الطلقات. ولم يعرف كيف تم وضع الطلقات في المسدس. وبالتالي فقد دفع بأنه غير مذنب وغير مجرم، حيث لم يكن ينوي قتل زوجته ولا قتل ذلك الشاب الذي لم يدرِ بمروره من أمام النافذة في تلك اللحظة. وبالتالي فإن الشاب قد قُتل عَرَضاً.

ولدى متابعة التحقيق شهد شاهد بأنه قد رأى ابن ذلكما الزوجين يشحن مسدس والده بالطلقات قبل ستة أسابيع من تلك الحادثة. وسبب ذلك أن والدته قد قطعت عنه المعونة المالية التي كانت تعطيها له، ولما كان يعرف أن والده يهددها بالمسدس عند احتدام المشاحنة بينهما فقد أراد أن يرعبها حقيقة أو يقتلها في أي مشاحنة تالية بينها وبين والده. وبالتالي فقد أصبح ابنهما الآن متهماً بمحاولة قتل والدته وبجريمة قتل ذلك الشاب.

ولدى دراسة الأسباب التي دفعت بابنهما إلى التخطيط لقتل والدته تبين أنه قد وصل إلى حالة من القنوط بسبب قلة ما في يده من المال، فقام بفعلته تلك لعله يرث بعض المال من والدته. ولما مرت الأسابيع الستة دون أن يحصل شجار بينها وبين والده، فقد قرر أن يتخلص من حياته فصعد إلى سطح المبنى ورمى بنفسه فقُتل بالرصاصة التي خطط لوالدته أن تُقتل بها. فقد كان ذلك الشاب القتيل في الحقيقة هو الابن الذي قام بشحن المسدس بالطلقات.

عندما يقرأ الإنسان هذه القصة يخطر بباله أولاً ما قالته العرب قديماً: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها. فكيف بمن حفرها لأمه؟. ثم هناك معانٍ أخرى تخطر بالبال من هذه القصة التي يبدو فيها شيء من غرابة الأقدار. ومن هذه الأمور أن التربية هي الأساس الذي يجب أن يؤسس عليه الجيل. صحيح أن هذه الحادثة قد وقعت في بلد معين، ولكن يمكن أن تقع في أي مصر وفي أي عصر، إذا لم يكن هناك رادع من دين أو خلق. لاسيما وأن الرائي (أو التلفاز) أصبح اليوم أحد مصادر التلقي الأساسية للجيل، وهو ينقل إلى أجيال الدول كلها ما يحصل في بلدان العالم. إنه ينقلها من خلال مسلسلات أو أفلام أو أخبار. وهو – للأسف – لا يبث دوماً ما هو مفيد، وإنما فيه خلط بين النافع والضار، حتى أن الصيحات أخذت تنطلق من بلدان أوربية تحذر من الخطر الداهم على ثقافتها مما يأتيها عبر الرائي من دول أخرى، رغم أننا نظن أنْ ليس بين ثقافاتهم من فوارق.

إن التربية المطلوبة للجيل هي التربية الإيمانية التي تجعل من الفرد إنساناً صالحاً، له من نفسه على نفسه رقيب، يعمل الخير ويحض عليه، ويبتعد عن الشر وينهى عنه، ويسعى في مناكب الأرض يطلب الرزق ولا يمد يده للآخرين مستجدياً، ويعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً، ولا يجد اليأسُ إلى قلبه سبيلاً، ويتحلى بمكارم الأخلاق التي حض عليها الدين الحنيف، ويعرف حق الآخرين عليه، ويقوم بواجباته على أحسن وجه قبل أي يطالب بحقوقه، وينصف الناس من نفسه، ويحب الآخرين، بل ويحب لهم ما يحب لنفسه، …

ومن تربى على هذه المعاني وشبَّ عليها فإنه لا يفكر في ارتكاب الجرائم، ومنها القتل والانتحار. ولقد تنبّه المسؤولون في السجون الأمريكية والأوربية إلى أهمية التربية الإيمانية فأخذوا يسمحون للدعاة المسلمين بزيارة السجون ونشر دعوة الحق بين السجناء، وكانت النتائج مذهلة. فقد صلح حال كثير من السجناء وأسلم كثيرون وأصبحوا مواطنين شرفاء. ولقد قرأنا في الصحف أن بريطانيا حذت مؤخراً حذو أمريكا وبلدان أوربية أخرى وسمحت بدخول المرشدين المسلمين إلى السجون. وفي فرنسا ثبت لمسؤولي الأمن أن المناطق التي فيها مساجد وتنتشر فيها الدعوة الإسلامية بين الجاليات انخفضت فيها الجريمة إلى حدودها الدنيا. إنه الإسلام الذي يربي أتباعه على أنهم محاسبون على ما يقولون، فكيف بما يفعلون.


فيروسات الحاسوب


نشر الساعة: 05:24 ص بتاريخ: 2007-يول-31
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

فيروسات الحاسوب

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12115

19 رجب 1420 هـ الموافق 28 أكتوبر 1999م، ص 20

ذكر لي صديق عن أحد زملائه أنه اشترى حاسباً شخصياً واشترى له لحافاً خاصاً يغطيه به خوفاً عليه من الفيروسات التي سمع عنها كثيراً بأنها تصيب الحاسوب وتقضي على بعض أجزائه. وما درى هذا أن فيروسات الحاسوب ليست من جنس الفيروسات التي تصيب الكائنات الحية، وبالتالي فهي لا تنتقل بالرذاذ أو التماس، وإنما تنتقل بطرق أخرى ظاهرة أو خفية. وبالمناسبة فإن صديقاً آخر درس علم الأحياء الدقيقة، وبعد التخرج من الجامعة كان نصيبه أن عمل في شركة تعمل في مجال الحاسبات والشبكات. وعندما يسأله أصدقاؤه ما هو مجال عملك في هذه الشركة؟ فإنه يجيب هناك درست الفيروسات وهنا أكافحها.

وفي الحقيقة فإن فيروسات الحاسوب أصبحت مخيفة. فعدد الفيروسات المعروفة حتى الآن بلغ حوالي عشرين ألفاً خلال عشرين عاماً من عمر الحاسب الشخصي. أي أن ظهور الأنواع الجديدة من الفيروسات هو بمعدل ثلاثة في اليوم الواحد.

وفي البداية كان انتشار الفيروسات عن طريق الأقراص المرنة التي يتبادلها الناس، أو ينسخون عليها برامج من حاسب مصاب بها. ولكن مع دخول الإنترنت أصبح انتشار الفيروسات عن طريق الشبكات، وأصبحت طرق الوقاية منها أصعب.

وفيروسات الحاسوب عبارة عن برامج خاصة مكتوبة لتصيب الحاسبات بعدواها. فهي تنتقل بسرعة عبر الشبكات وتؤدي إلى إتلاف بعض قطع الحاسب كأن تجعل أداءه غير مقبول أو تؤدي إلى ضياع بعض المعلومات التي عليه.

أما مضادات الفيروسات فهي أيضاً برامج خاصة تقوم بالبحث عن برامج الفيروسات وإزالتها من الحاسب. ومعظم برامج مضادات الفيروسات تكون في الغالب قادرة على هذا العمل، إلا أنه ما أسرع أن يصبح برنامج مضاد الفيروسات قديماً، وذلك بسبب الفيروسات الجديدة التي تنتشر انتشار النار في الهشيم حسب المعدل المذكور أعلاه. ولذا فمن الضروري الحصول على الإصدارات الجديدة من المضادات أولاً بأول.

ولقد أجرت جمعية أمن الحاسبات الدولية مسحاً لعدد من الشركات والمنظمات الأمريكية الكبرى وتبين لها أن معظمها تعاني من مشكلات ناتجة عن الفيروسات. ومن هنا تبرز أهمية برامج مضادات الفيروسات. وهذه تعمل بطريقتين. فإما أن تطلب منها أن تعمل مسحاً للقرص الصلب وتكتشف الفيروسات التي عليه، وإما أن تجعلها عاملة طول الوقت بحيث أنها تقوم بالكشف على كل ملف تريد أن تستخدمه أو أي قرص تضعه في الحاسب. وفي الحالة الأخيرة حيث يكون البرنامج عاملاً طول الوقت فإنه يحتل مكاناً من ذاكرة الحاسوب. وهذا الجزء من الذاكرة قد تكون أنت بحاجة إليه لتشغيل برامجك الأخرى الكبيرة.

وإضافة إلى استخدام مضادات الفيروسات فإنه من المنصوح به عمل نسخ احتياطية مساندة لكل ملف من ملفات الحاسب، وهذه العملية تُسمى (backup)، بحيث يمكن الرجوع إلى هذه النسخ الاحتياطية الخالية من الفيروسات عند الحاجة.

والسؤال المهم هو: من يكتب برامج الفيروسات؟ وما هو هدفهم منها؟. في الغالب أكثر الذين يكتبون برامج الفيروسات هم شباب مضللون يهمهم في الدرجة الأولى أن يسمعوا عن انتشار فيروساتهم وخوف الناس منها. وهم من نوع الشباب الذين يحاولون الدخول على حاسبك الشخصي للتجسس عليك وأنت متصل بالإنترنت.

ولا شك أن سوء التربية أو حب الإضرار بالناس هو الذي يدفع أمثال هؤلاء الشباب لأي عمل من هذا القبيل. وسواء أكان سوء تربية أم غيره من الأسباب والدوافع فإن النتيجة واحدة. وسوء التربية هذا منتشر وللأسف في كل مكان وزمان، ولا يقتصر على أرض دون غيرها، ولا عصر دون آخر. والمقصود بالتربية هنا التربية الشاملة التي تجعل من الفرد إنساناً صالحاً يحب الخير للآخرين ويبتعد عن كل ما يسبب لهم ضرراً أو أذى. ومن أبسط مظاهر سوء التربية ما يقوم به بعض الناس من وضع الأوساخ في الطريق رغم وجود الحاويات المخصصة لجمع القمامة، أو ما يقوم به بعض الناس من رمي مخلفاتهم (كعلب العصير ونحوها) من نافذة السيارة. وإذا كانت هذه من زجاج فيمكن أن تتصور مدى الضرر الذي يمكن أن تسببه لسيارة أخرى.

لقد جعل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إماطة الأذى عن الطريق صدقة. وهذا فيه شيء من العجب للوهلة الأولى. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يجعل ذلك حسنة فحسب، وإنما صدقة. والصدقة لا تكون إلا تجاه الغير. وفي هذا ما فيه من معانٍ سامية، فأنت عندما تميط الأذى عن الطريق تكون قد تصدقت بعملك هذا على كل من كان يمكن أن يضره هذا الأذى. ولاشك أن الذي يتربى على حب الآخرين وإماطة الأذى عن طريقهم فإنه لا يمكن أن يقدم في أي لحظة على الإضرار بالناس.

على أن هناك من يقول بأن بعض فيروسات الحاسوب إنما تنشرها الشركات التي تنتج مضادات الفيروسات نفسها، وذلك بهدف بيع برامجها. وإذا كان هذا صحيحاً فإنه لا يخرج عن دائرة الإضرار. والدافع إلى هذا حب المال ومحاولة جمعه من أي طريق كان. والذين يقولون بهذا القول يدللون على احتماله بضرب مثل من ساحة أخرى من ساحات العمل المادي الذي لا يرجو أصحابه إلا جمع المال. ففي البلدان التي تُراقب فيها سرعةُ السيارات بواسطة الرادار يُباع في أسواقها جهاز خاص يشتريه الناس ليكتشفوا به وجود رادار الشرطة في الطريق الذي هم فيه، حيث يقوم هذا الجهاز بإعطاء إشارة سمعية مما يجعل السائق يخفف من سرعته لدى مروره أمام جهاز الرادار، ثم ينطلق بسرعة جنونية من جديد. وقد تبين أن أجهزة الكشف عن جهاز الرادار مصنوعة من قبل الشركة نفسها التي تصنع أجهزة الرادار. إنه عالم مادي عجيب.


الخريجون وفرص العمل


نشر الساعة: 08:29 م بتاريخ: 2007-يول-30
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

الخريجون وفرص العمل

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12108

12 رجب 1420 هـ الموافق 21 أكتوبر 1999م، ص 6

بَصُرتَ بالراحةِ الكبرى فلمْ ترَها                تُنالُ إلا على جسرٍ من التعبِ

بهذه الحكمة البليغة نطق شاعرنا العربي أبو تمام وهو يمتدح الخليفة المعتصم في بائيته الشهيرة يوم فتح عمّورية. هذا القول أذكره عندما أرى بعض طلاب الجامعة يبذلون أقل ما يمكن من الجهد في دراستهم ويظنون أنهم سيحصلون على العمل الجيد بعد التخرج، ليخلدوا بعده إلى الراحة، ويبدؤوا بجمع قيمة السيارة الفارهة ومهر العروس الحسناء وثمن الفيلا الفخمة. وأقول لهم بادئ ذي بدء بأن الأمر على خلاف ما يظنون. فحقيقة الأمر أن من أراد العمل الممتاز أو حتى الجيد فعليه أن يبذل من الجهد ما يؤهله لأن يكون عند حسن ظن أصحاب الشركات والمؤسسات. فالشركات إنما تبغي تحقيق الأرباح، ولن تدفع لك الراتب الممتاز إلا إذا كانت تستطيع أن تستفيد منك أضعاف راتبك. وهذا يتطلب منك أمرين، أولهما أن تكون ماهراً في اختصاصك، وثانيهما أن تبذل في العمل من الجهد أضعاف ما كنت تبذل في أثناء الدراسة.

ولحسن الحظ فإن هذه الفئة من الطلاب ليست الغالبية، فهناك غيرها كثير يدرك أن بذل الجهد أمر مطلوب لمن أراد أن يحقق طموحاته وينجح في الحياة العملية بعد التخرج.

هذا المقال دفعني إليه رسالة وصلت إلى كلية الهندسة بجامعة الملك عبد العزيز من سعادة توماس سليد، نائب الرئيس لشؤون العمليات في شركة المعدات المكملة للطائرات المحدودة (وهي إحدى شركات برنامج التوازن الاقتصادي)، ومقرها في جدة. وفي رسالته هذه امتدح أحدَ طلاب كلية الهندسة، واسمه عبد الله ريري، والذي أجرى تدريبه الصيفي لدى الشركة، وكان مثالاً لما يجب أن يكون عليه الطالب الطموح الذي يسعى لأن يكون مهندساً ناجحاً في المستقبل.

وحيث أن الذي كتب الرسالة هو بريطاني، فهو قطعاً ليس من أقارب الطالب، ولذا فلا مجال لأن يكون قد جامله أو امتدحه بما ليس فيه. ولعلي أنقل بعض عبارات الرسالة (مترجمة) ليتبين بوضوح ماذا تريد الشركات ممن يعمل لديها بحيث ترضى عنه ويستمر في عمله معها.

يقول في رسالته: "لقد أبلغته منذ البداية أنه سوف يتمكن من تحقيق النجاح في تدريبه لدينا إذا عمل أمرين اثنين، أولهما أنه يجب عليه أن يحضر إلى العمل يومياً في الوقت المحدد، وثانيهما أن يكون متحمساً وأن يشمر عن ساعده طوال اليوم. ولقد شرحت له أن هذا التدريب هو خبرة تعليمية، وأننا بالعمل معاً سوف نعطيه خبرة حقيقية قدر المستطاع. ولقد عمل هذين الأمرين وأكثر منهما".

ويضيف: "لقد بدأ بداية ممتازة، وهو يتعلم بسرعة، واكتسب سمعة طيبة بين الذين عمل معهم مفادها أنه شاب لبق جداً وماهر ومجد في عمله".

ويقول أيضاً: "إن مقاييسنا عالية جداً، وهذا التقويم الممتاز الذي استحقه لا يُمنح في الغالب. إنه ممثل ممتاز لجامعة الملك عبد العزيز، ونحن فخورون أن يكون معنا. كما نشجعه على الاستمرار في هذا المستوى الرفيع من الأداء".

ولم ينتهِ موضوع الطالب المتدرب عند هذا الحد، بل تعداه إلى أن تم اختياره من قبل الشركة  التي تدرب فيها ليشارك، مع خمسة من العاملين فيها، في تطوير القدرة الفنية لصيانة صندوق المسننات (أو التروس) المركزي (وهو المسمى الجيربوكس عند الناس) لإحدى الطائرات التي تقوم الشركة بصيانتها، وهو أكثر المعدات تعقيداً من بين المعدات الكثيرة التي تعمل عليها الشركة.

وجدير بالذكر أن هذا التقرير ليس الوحيد الذي وصل إلى كلية الهندسة عن طلابها الذين يقومون بالتدريب خلال فترة الإجازة الصيفية، وإنما يصل إلى الكلية تقرير عن كل طالب متدرب. غير أن هذا التقرير من هذه الشركة كان معبِّراً أفضل تعبير عن مجموعة ممتازة من طلابنا، ولذا فإننا نعتز به ونعتبره شهادة فخر لنا. ولعلي أضيف هنا أن متدرباً آخر قال له أحد المسؤولين في الشركة التي تدرب بها: إن مكانك محفوظ من الآن لتعمل لدينا بعد التخرج. وما ذاك إلا لأنه لمس عنده المهارة الجيدة والدأب المتواصل.

ولا شك أننا فخورون بأمثال هؤلاء الطلاب الذين ينشدون النجاح في الحياة، وهو أهم من النجاح في الدراسة. غير أن النجاح في الدراسة هو بداية الطريق. وفي مقال تالٍ سوف أتحدث عن موضوع النجاح في الحياة. ولكني أشير هنا إلى كتاب قيِّم، سبق لي أن قرأته، وهو بعنوان "صناعة الحياة"، وهو دعوة إلى الإبداع في كل منحى من مناحي الحياة. وما أحوجنا نحن - أمة الحضارة الإسلامية – إلى الإبداع وإتقان العمل، فهو مما وصَّى به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

وكما قلتُ فإن هذا الطالب المجتهد له أمثال كثيرون بين خريجينا الذين ملأوا ساحات العمل، وتأتينا تقارير عن كثير منهم وعن تفوقهم على زملائهم حتى من خريجي الجامعات الأمريكية. ففي إحدى دورات التدريب التي أجرتها إحدى الشركات الوطنية على مجموعة من المهندسين الجدد، وهم خريجون من مختلف الجامعات المحلية منها والأجنبية، كان الأول والثاني على الدفعة من خريجينا. ولقد أشاد بهذا مدير الشركة في كلمته التي ألقاها بمناسبة اختتام دورة التدريب.

إن السعي للحصول على العمل الجيد هو من باب الأخذ بالأسباب في موضوع طلب الرزق. ولعلي أقارن هنا بين اثنين من الخريجين في هذا المجال. أحدهما قدَّم أوراقه إلى جهتين أو ثلاث، ثم غادر إلى الديرة ينتظر الرد. وآخر كتب سيرة ذاتية بشكل أنيق وذهب بنفسه يعطيها باليد لكل الشركات والمؤسسات التي ظن أن اختصاصه مطلوب عندها، وترك رقم هاتفه للاتصال به، وفي أثناء تسليمه نسخ من سيرته الذاتية عملت له بعض الشركات مقابلة شخصية سريعة لتعرف ما عنده. وقبل أن يمضي شهر عُرضت عليه عدة فرص وظيفية واختار أفضلها. أما الأول فلا يزال ينتظر في الديرة حسبما أخبرني طالب من طلابي وهو من أقاربه.


مع الطيور مرة أخرى


نشر الساعة: 02:46 م بتاريخ: 2007-يول-30
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

مع الطيور مرة أخرى

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12087

20 جمادى الآخرة 1420 هـ الموافق 30 سبتمبر 1999م، ص 16

هذه دروس أخرى من دروس الطيور. ولكن هذه المرة ليس في هجرتها وإنما في إقامتها. وهي مستفادة من نوع خاص من الطيور صغيرة الحجم، ويميل لونها إلى البني، وتعيش في شبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة سيناء، واسم هذا الطير بالإنجليزية (Arabian babbler)، ولم أعثر له على اسم في اللغة العربية في أي معجم. وهذه الطيور تمتاز بصفات ممتازة وأخلاق رفيعة، ربما لأنها عربية حرة. وقد قام فريق بحث من إحدى الجامعات بدراسة حياتها لمدة (30) عاماً تقريباً، وأوردت إحدى المجلات العلمية المرموقة هذه الدراسة.

إنها تمتاز بأنها لطيفة جداً في تعاملها مع بعضها، بل إنها تتسابق فيمن يكون أفضل في الكياسة من الآخر. إنها تعيش في مجموعات من حوالي (20) من الطيور البالغة، وكل مجموعة لها منطقتها الخاصة بها، والتي تدافع عنها ضد الغزاة من المجموعات الأخرى. ويعمل كل أعضاء المجموعة معاً في تربية الصغار. ولكن تعاونها يمتد أكثر من موضوع إطعام الصغار. فالكبار أيضاً يطعم بعضهم بعضاً، ويتباهون ببعضهم بعضاً، ويحيط بعضهم بعضاً بعناية خاصة، بل ويدفئ بعضهم بعضاً في الليل.

ما هي أسباب هذه الغيرية عند هذه الطيور. لعل السبب الواضح هو أن بينها صلة قرابة، مما يعني اشتراكها في الجينات. وهناك فوائد من التعاون لا ينكرها أحد، وهي تفوق في عوائدها مقدار التعب الذي يبذله الفرد في مساعدة الآخرين. وفي المجموعة الواحدة هناك تفاضل بين الطيور. فالطيور الأكبر عمراً لها أفضلية على الأصغر عمراً، وكذلك فإن الذكور لها درجة أفضلية على الإناث. وعندما تتساوى الدرجة في العمر والجنس فالتفاضل يكون حسب درجة أيهما أفضل لصاحبه، ولذا فإن حالته قد تتغير مع الزمن فيفضل أقرانه إذا تفوق عليهم في مساعدتهم. وحيث أن الطير الذي يتلقى مساعدة من غيره يكون أقل منه درجة فإن الكل يسعى لأن يكون أفضل من غيره. وقد يرفض مساعدة غيره خوفاً من إنزال مرتبته. ولرفع مرتبته يقوم ببذل جهد أكبر في إطعام الصغار.

وعندما يكون الطير ذو الرتبة الأعلى في العش فإن الطير ذا الرتبة الأقل يغادر العش. وإذا لم يغادر فإن الطير ذو الرتبة الأعلى يتفاخر عليه بطريقة سلمية في استعراض مرتبته. وفي هذه الحالة يقوم الطير ذو الرتبة الأدنى بعملية الحراسة ليظهر أهميته. وإذا جاء طير برتبة أعلى من الحارس وأراد أن يقوم محله بالحراسة فإنه ببساطة يقوم بإطعامه ويُعلمه بأنه أقل منه مرتبة فيشعر ذاك بضرورة إعطاء المهمة لمن هو أعلى منه في الرتبة.

هل تقوم هذه الطيور بهذه الأعمال في خدمة بعضها بعضاً لأنها تتوقع أن يرتد إليها معروفها يوماً ما؟. قد يكون الأمر كذلك. ولكن رئيس فريق البحث غير مقتنع بهذه الفكرة. فهو يقول بأن المجموعات التي تمت دراستها تشير كلها إلى أن المعروف في مجتمع هذه الطيور هو في اتجاه واحد. فمثلاً الطير الذي أعفى مَن هو أقل منه رتبة من عمل الحراسة، إذا حاول من هو أقل منه رتبة أن يعفيه من هذه المهمة فإن رد فعله يكون عنيفاً. ويكون رد فعله عنيفاً أيضاً في أي محاولة لرد الجميل إليه.

ويقول رئيس فريق البحث إن هذه الطيور تبدو أنها هي الرابحة عندما تعمل المعروف. وإن الذي ظهر لفريق البحث هو أن هذه الأعمال الطيبة من هذه الطيور هي سجيَّة فيها، كما إنها إشارة إلى لياقتها الجسدية، أي صحتها. فالطير يقوم بأي عمل ليدلل على أنه ليس بمريض، إذ أن المريض قد لا يقدر على القيام بأعمال الأصحاء. ويضرب على هذا مثلاً بالطاووس الذكر الذي قد يبدو سيئ الحظ لأن له ذيل كبير. ولكن استطاعة الطاووس أن يرفع ذيله إلى أعلى هو إشارة واضحة إلى أنه معافى، وهو في هذا يتفاخر بذكورته، لأن الطاووس المريض يعجز عن رفع هذا الذيل، وبالتالي يعجز عن أمور أخرى.

إن الطير من هذه الطيور يتفاخر بما يقوم به من أعمال، وإن كان يبدو لغيره أنه يضيع وقتاً أو يوقع نفسه في أخطار، ولكنها إشارة إلى كفاءته وجدارته وأهليته لأن يكون شريك حياة ممتاز، يحمي الحمى ويرعى غيره. وفي هذا ما فيه من المزايا له في أن يحقق مكانة اجتماعية بين بني جنسه. وكلما علا في سلم الدرجات في ذلك المجتمع فإن حظه يكون أوفر في أن يصبح ذا مكانة فيه.

ويعلق أحد الباحثين في الفريق على هذه الحياة الاجتماعية لهذا النوع من الطيور بأن مجتمعها ليس فيه غش أو خداع. فالطير الذي لا يقوم بواجبه يبقى في أسفل التركيبة الاجتماعية، ويتفوق عليه غيره ويفضله بما يقدم من عمل من أجل الجميع. ويظهر هذا بوضوح عندما تصبح الطيور في مرحلة التناسل.

ويتابع فيقول: إن الظهور بمظهر القوة واضح عند مختلف الحيوانات، وهذه القوة في عالم الحيوان مستمدة فقط من قدرتها على عمل الأشياء التي قد يعجز عنها أو يتكاسل عنها غيرها، وليست مستمدة من أي شيء آخر. ولعل هذا مما يريح الدكتورة ابتسام الحلواني التي انتقدت في إحدى مقالاتها تمسيح الجوخ في عالم البشر.

ويختم رئيس فريق البحث تعليقه بقوله: في عالم الإنسان لا شك أن الذي يعمل للآخرين فإنه يحصل على مكانة اجتماعية بين الناس لا يصل إليها غيره مهما حاول. وإن الغيرية هي في الحقيقة – مثل أي صفة إنسانية أخرى – إنما يحصد نتيجتها الإنسان الغيري نفسه.

ولعلي أضيف هنا بأن هذا الحصاد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة إن كانت النيَّة خالصة لوجه الله، وقد يجمع الله لصاحبها الفضلين.


من طرائف الحاسوب


نشر الساعة: 08:41 م بتاريخ: 2007-يول-29
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

من طرائف الحاسوب

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12087

20 جمادى الآخرة 1420 هـ الموافق 30 سبتمبر 1999م، ص 16

قال لي أحد الأصدقاء: إنني أتابع مقالاتك كلها، ولكنها تحتوي على كمية كبيرة من المعلومات رغم قصرها، وهذا يتطلب مني تركيزاً كبيراً، أليس عندكم - معشر الأساتذة - متسع لشيء من الطرائف؟. فوعدته بأن أكتب شيئاً منها. وبالطبع فإن ما عندي ينحصر في اختصاصي. وهاكم بعضاً من طرائف الناس مع الحاسوب، وهي ليست منسوجة من الخيال على طريقة طرائف جحا، وإنما هي أحداث حصلت فعلاً. ولعل فيها متعة لمن له معرفة بالحاسوب وكيفية عمله، وليعذرني من لم تكن له هذه المعرفة، ولكن ربما تكون مفيدة له في مجتمع أصبح الحاسوب فيه من ضروريات الحياة:

1)    اتصل رجل بقسم الصيانة في الشركة التي ورَّدت الحواسيب لمؤسسته واشتكى من أن حاسبه لا يعمل بشكل جيد، فسأله موظف الصيانة: هل تعمل تحت النوافذ (يعني تحت نظام ويندوز) فأجابه: هذا سؤال جيد، فزميلي وضع حاسبه تحت النوافذ وهو يعمل بشكل جيد، أما أنا فحاسبي قرب الباب بعيداً عن النوافذ. فهل تعتقد أن هذا هو السبب؟.

2)    دخل شاب إلى متجر لبيع الحاسبات وملحقاتها، وطلب من البائع أن يعطيه قطعة الإسفنج التي توضع تحت الماوس لتسهيل حركتها. فعرض عليه البائع عدة أنواع، فلم يعجبه منها شيء لأنها – كما قال - غير متوافقة مع حاسبه الشخصي.

3)    دخل صبي إلى متجر لبيع الألعاب. وبعد أن اشترى سيارة صغيرة طلب من البائع أن يشرح له كيف يضعها مكان السيارة التي تحطمت في اللعبة التي كان يلعبها على الحاسوب.

4)    اتصلت سيدة بالشركة التي اشترت منها الطابعة، واشتكت بأن طابعتها لا تطبع اللون الأصفر رغم أنها تطبع باقي الألوان بشكل جيد. وقد احتار موظف الصيانة في هذه المشكلة، لأن اللون الأصفر لون أساسي، في حين أن اللون الأخضر مثلاً هو مزيج من اللونين الأصفر والأزرق، فكيف تطبع الطابعة اللون الأخضر بشكل جيد ولا تطبع الأصفر. وقد اقترح على السيدة عدة اقتراحات لتعملها، ومنها تغيير الحبر وإعادة تركيب برنامج الطابعة، فلم يجدِ ذلك شيئاً. وبعد ساعتين على الهاتف طلب منها أن ترسل الطابعة إليه عن طريق شركة الشحن ليقوم بفحصها. ولكنها في اللحظة الأخيرة سألته: هل تعتقد أنني إذا استخدمت ورقاً أبيض عوضاً عن الورق الأصفر المفضل لدي فستعمل الطابعة بشكل جيد؟.

5)    اتصل رجل بقسم المساعدة في الشركة التي اشترى منها حاسبه، وقال إنه قام بتنزيل نظام ويندوز للتشغيل واختار النوع الصحيح للطابعة، ولكن الحاسب لم يتعرَّف على الطابعة، وكلما أراد أن يطبع فإن الحاسب يعطيه العبارة التالية: لا أستطيع أن أرى الطابعة. وقد كان الرجل يتكلم بشدة، وقال لموظف الصيانة: إن الحاسب فيه مشكلة. فقد حملتُ الطابعة أمام شاشته، ومع ذلك فإنه لم يرها واستمر في إعطاء تلك الرسالة.

6)    في أحد الفصول الخاصة بالتدريب على استخدام الحاسوب خرج الطالب سالم من الفصل لعدة دقائق. وفي أثناء غيابه قام الطالب سعيد الذي كان بجانبه وأخذ لوحة مفاتيح سالم ووضع لوحة مفاتيحه هو عوضاً عنها دون أن يغير في التوصيلات، فأصبحت لوحة المفاتيح التي أمام كل واحد منهما تكتب على شاشة الآخر. وعندما عاد سالم وبدأ يستخدم لوحة المفاتيح التي أمامه أخذ سعيد يكتب عبارات مخيفة تظهر على شاشة سالم، فارتعب ونادى المدرس وشرح له الأمر. ولما حاول المدرس أن يكتب شيئاً كتب سعيد: اتركني وحدي وانصرف. فبدت علامات الاستغراب على وجه المدرس. ثم حاول ثانية، فكتب سعيد: قلت لك اتركني وحدي وانصرف!. ولما حاول ثالثة، كتب له: لا تمسني، ابتعد عني، مَن تظن نفسك؟. وبدا الإحراج على وجه المدرس وأخذ يكيل الاتهامات لسالم، فأخذ هذا يعتذر للمدرس ويقسم الأيمان بأنه لم يفعل شيئاً للحاسب. وبعد مناقشة حامية بينهما لم يستطع سعيد أن يتمالك نفسه أكثر من ذلك فانفجر بالضحك. وعندها شعر المدرس بأنه صاحب المشكلة، فحقق معه واكتشف اللعبة.

7)    في إحدى الولايات الأمريكية الباردة شتاء قرر أحد رجال الأعمال أن يقضي بعض الوقت في إحدى الولايات الدافئة. وحيث أنه كان لديه عمل في ولاية ثالثة فقد قرر أن يسافر وحده على أن تلحق به زوجته بعد وصوله إلى المشتى الذي اختاراه. وبعد أن وصل إليه أراد أن يكتب لزوجته رسالة بريد إلكتروني عبر الإنترنت ليخبرها بوصوله ويطمئنها على ترتيب أمور استقبالها. ويبدو أنه بادل بين حرفين من حروف العنوان الخاص بزوجته فوصلت الرسالة إلى امرأة عجوز هي صاحبة ذلك العنوان. والعجوز هذه هي زوجة لأحد القساوسة، وكان قد مات في تلك الليلة وتم دفنه. وبعد مراسم الدفن أرادت أن تقرأ رسائل العزاء التي وصلتها من مختلف الأصدقاء عن طريق الإنترنت. وما أن قرأت الرسالة التي أرسلها رجل الأعمال إليها بالخطأ حتى صاحت ووقعت مغشياً عليها. فهُرع أفراد الأسرة ليستطلعوا الخبر. فوجدوا الرسالة التالية أمامها على الشاشة: "زوجتي الغالية: كل شيء هنا في انتظار وصولك إلينا غداً. غير أن الوضع هنا حار جداً لا يمكن تحمُّله".


الإنسان بين الخلق والنشوء


نشر الساعة: 06:15 ص بتاريخ: 2007-يول-29
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

الإنسان بين الخلق والنشوء

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12065

28 جمادى الأولى 1420 هـ الموافق 8 سبتمبر 1999م، ص 8

لا يزال الجدل محتدماً في دول الغرب بين الذين يعتقدون بأن الإنسان مخلوق وبين القائلين بنظرية داروين في النشوء والارتقاء. ورغم أنهم يدينون بدين سماوي إلا أن الفصل عندهم بين الدين وبين باقي مناحي الحياة جعل مناهجهم في التدريس لا تعتمد على معتقداتهم. وقد حسم مجلس التعليم في ولاية كنساس الأمريكية هذه القضية مؤخراً عندما صوَّت لصالح المعتقدات الدينية في هذا الشأن.

ولم يقتصر الأمر على الانتصار لفكرة الخلق على فكرة النشوء ولكن الأمر تعدى ذلك بكثير. ففي الماضي كان أصحاب الاتجاه الديني يطالبون بأن يتم تدريس نظرية النشوء والارتقاء على أنها فقط إحدى النظريات التي تشرح التنوع في الحياة، وذلك إضافة إلى التعاليم الدينية بهذا الشأن. ولكن ما حدث الآن هو أن المجلس قرر ألا يتم ذكر أي إشارة إلى نظرية النشوء في مناهج العلوم لطلاب المدارس. وقد تبنى المجلس منهج العلوم الذي وضعته جمعية علوم الخليقة لوسط أمريكا وأسقط المنهج الذي اقترحته جمعية مدرسي علم الأحياء والذي يحوي إشارات إلى نظرية النشوء وبعض مقولاتها.

وقد كانت ردود الفعل مختلفة حول هذا القرار. فهناك من نظر إلى الموضوع على أنه برهان على أن الذين أصبحوا يشككون في صحة نظرية النشوء هم في ازدياد مستمر مما جعلهم أكثرية