المعلمون والطلاب… أي الفريقين يتعلم من الآخر؟
:نشر الساعة 03:57 م بتاريخ 2007-يول-24 الكاتب: د. محمود نديم نحاس
المعلمون والطلاب… أي الفريقين يتعلم من الآخر؟
بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس
نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 11975
26 صفر 1420 هـ الموافق 10 يونيه 1999م، ص 14
"التعاون بين البيت والمدرسة" عبارة يرددها التربويون، ويؤكدون على أهميتها. ولكنها تبقى حبراً على ورق ما لم يؤمن بها طرفا القضية كلاهما، أو أحدهما على الأقل. أقول هذا بعد أن تلقيت رسالة بالبريد الإلكتروني تحكي قصة حقيقية حصلت مع معلمة في بلاد الغرب. ومختصرها أن هذه المعلمة كانت تدرس أطفال الصف الرابع، وكان في فصلها طفل انعزالي لا يلعب مع باقي الأطفال، تصرفاته مزعجة، ثيابه غير معتنى بها، وكثيراً ما يطلب الإذن للذهاب إلى الحمام. أما في دراسته فكان متأخراً، وفي كل مرة تصحح له واجباته أو اختباراته فإنها تملؤها بالخطوط الحمراء لكثرة ما فيها من أخطاء. ولم تكن تلك المعلمة تقوم بواجبها الصحيح تجاه هذا الطفل من محاولة فهمه أو التعاون مع البيت من أجله.
وبدل أن تقوم هذه المعلمة بالاطلاع على ملفات أطفال فصلها خلال العام لتعرف عنهم المزيد فإنها أجَّلت فتح الملفات إلى نهاية العام وذلك عندما جاء الوقت لتضع ملحوظاتها عنهم. وقد فوجئت بما كتبته المعلمات قبلها عن هذا الطفل. فقد كتبت معلمة الصف الأول: "إنه متوقد الذهن، سريع الضحك، يعمل واجباته بإتقان، نفسيته جيدة، وكان ممتعاً حقاً أن يكون معنا". أما معلمة الصف الثاني فقد كتبت: "إنه طالب ممتاز، محبوب جداً من زملاء الفصل، ولكنه مكدَّر لأن والدته مريضة مرضاً لا شفاء منه، وحياته في البيت كفاح". في حين كتبت معلمة الصف الثالث: "إن وفاة والدته كانت صعبة عليه. إنه يحاول أن يعمل ما يستطيعه، ولكن والده لا يبدي اهتماماً كثيراً به. وحياة هذا الطفل في البيت ستؤثر عليه إن لم تُتخذ أي خطوات نحوه الآن". فأضافت هي في ملفه: "لقد انسحب جانباً. إنه لا يبدي أي اهتمام بالمدرسة. ليس عنده أصدقاء. وأحياناً ينام في الفصل".
لقد شعرت بالخجل من سوء تصرفها تجاه هذا الطفل البريء، وأحست بأنها لم تقم بواجبها بشكل صحيح تجاه الأطفال. فقررت أن تأخذهم في العام القادم لتكفر عن خطيئتها. وعندما دخلت عليهم في الصف الخامس كان في ذهنها أن تعمل شيئاً غير التدريس. إنها تود أن تدخل إلى قلوبهم. وما هي إلا فترة وجيزة حتى جاء العيد. ومن عادة القوم هناك أنهم يتبادلون الهدايا. وقد جاء الأطفال بهداياهم للمعلمة، وجاءتهم بهداياها. كانت هدايا الأطفال كلها ملفوفة بورق الهدايا الخاص، ومربوطة بالأشرطة الخاصة بالهدايا. أما هدية هذا الطفل فكانت ملفوفة بغير إتقان بورق سميك قصه من أكياس الورق التي يضع فيها البقال لزبائنه مشترياتهم. وكان لابد من فتح الهدية مع باقي الهدايا. كانت هديته مما خلفته أمه في البيت. فقد احتوت على سوار عليه بعض الأحجار، وبعضها قد سقط، وكان هناك زجاجة عطر مملوءة إلى منتصفها. وكان هذا مما أضحك الأطفال في براءة. ولكنهم سكتوا سريعاً عندما رأوا المعلمة تضع السوار على معصمها مبدية إعجابها، كما وضعت من عطر الزجاجة على يديها.
انصرف الأطفال في ذلك اليوم، ولكن هذا الطفل تأخر في الفصل ليقول للمعلمة: "إن رائحتك اليوم مثل رائحة أمي". لم تتمالك نفسها فبكت طويلاً. ومنذ تلك اللحظة شعرت أنها دخلت عالم التعليم كما يجب أن يكون. وفي نهاية ذلك العام عاد هذا الطفل ليكون من أذكى الطلاب في فصلها.
بعد أن غادر المدرسة الابتدائية أرسل إليها رسالة يقول فيها: "إنك أفضل معلمة رأيتها في حياتي". ثم توالت رسائله عليها تحمل هذه العبارة دوماً. غير أن بعض الرسائل حوت معلومات إضافية. فبعد ست سنوات تلقت رسالة منه يكرر فيها هذه العبارة، ويقول بأنه قد أنهى دراسته الثانوية، وهو الثالث على فصله. وبعد ستة أعوام أخرى تلقت منه العبارة نفسها، ولكن توقيعه هذه المرة اختلف، فقد ظهر أمام اسمه: الطبيب فلان.
وبعد سنتين تلقت منه رسالة تحمل عبارته التقليدية، ولكن معها خبر سعيد، فقد كان يدعوها إلى حفل زفافه. ليس هذا فقط، وإنما يدعوها لتحتل المقعد الذي تجلس عليه في العادة والدة صاحب الحفلة.
وبالطبع لم تتأخر لحظة عن تلبية الدعوة، ولم تنس أن تضع ذلك السوار على معصمها في ذلك اليوم، ولم تنس أن ترش من عطر تلك الزجاجة على نفسها. لم تكن قد احتفظت بتلك الهدية لقيمتها المادية، وإنما احتفظت بها لتذكر نفسها على الدوام بتلك الحادثة التي جعلتها تدخل عالم التعليم الصحيح.
وأمام الجميع وقف ليشكرها على ما قدمت له، وعلى اهتمامها به، ولأنها أفضل معلمة مرت عليه في حياته. ولكنها فاجأت الجميع والدموع تملأ عينيها عندما وقفت لتقول: "إنني مدينة لك، فأنت الذي علمتني كيف يجب أن تكون المعلمة".
|