هجرة الطيور والإدارة الحديثة
:نشر الساعة 05:20 م بتاريخ 2007-يول-25 الكاتب: د. محمود نديم نحاس
هجرة الطيور والإدارة الحديثة
بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس
نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 11983
4 ربيع الأول 1420 هـ الموافق 18 يونيه 1999م، ص 10
هناك عدة طرق في إدارة الشركات والمؤسسات. ولعل أحدثها ما تعلمه الإنسان من هجرة الطيور. فما هي هذه الإدارة؟، وكيف تعلمها الإنسان من الطيور المهاجرة؟.
1) لاحظ العلماء أن الطيور تهاجر في جماعات، ولا تهاجر فرادى، وهي في طيرانها تشكِّل الرقم (8)، بحيث يطير واحد منها في المقدمة، أي في رأس الرقم (8)، وتتبعه بقية الطيور خلفه بحيث تكون في صفين يتباعدان شيئاً فشيئاً عن بعضهما. ولقد اكتشف العلماء سراً عجيباً لهذا التشكيل. إذ من المعلوم أن الطير يخفق بجناحيه ليولد قوة الرفع التي تحمله في الهواء، وهذا أمر اكتشفه الإنسان منذ زمن بعيد وهو يحاول الطيران، ولكن الاكتشاف الجديد هو أن تحريك الهواء المحيط بالجناحين في أثناء الخفقان لتوليد قوة الرفع للطائر يولد أيضاً قوة رفع يستفيد منها الطائر الذي خلفه في التشكيل، أي يستفيد المتأخر من حركة المتقدم عليه في السرب. وقد اكتشفوا أن مدى الطيران يزداد بأكثر من 70 % عندما تطير الطيور في أسراب بهذا الشكل عن مداها فيما إذا طارت فرادى. وفي علم الطيران ما نقصده بالمدى هو المسافة التي تقطعها الطائرة بما معها من وقود. وعند الطير هو المسافة التي يقطعها بما عنده من طاقة داخلية دون الحاجة للحط وأخذ قسط من الراحة. ومن هنا استنتجوا في علم الإدارة أن الشركة التي تود التقدم للأمام فعلى العاملين فيها أن يكوِّنوا فرق عمل، بحيث يعمل كل فرد في فريق، ويستفيد كل فرد في الفريق ممن يتقدم عليه في العلم أو في السلم الوظيفي، وأن يعملوا جمعياً في اتجاه واحد، وألا ينزعج أحدهم أن يكون تحت إمرة من هو مثله في الإمكانات، وأن يثق كل واحد منهم بفريقه، وأن يشارك كل واحد منهم غيره بما عنده من معلومات. وبهذا يمكن للشركة أن تسير بخطى ثابتة نحو الأمام. وهذا ليس على المستوى الفردي داخل الشركة وحسب، وإنما على مستوى الشركات مع بعضها، ولذا نرى الشركات اليوم تنضم إلى بعضها بعضاً لتشكل مجموعات فتزيد من قدرتها كما تفعل الطيور التي تزيد من مداها عندما تطير في أسراب.
2) الطائر الذي يقود السرب يتعب قبل غيره لأنه يعطي ولا يأخذ، ولهذا فإنه عندما يشعر بالتعب فإنه يتخلف ويحل محله طائر آخر في القيادة. ومن هنا قالوا في علم الإدارة، إن الإدارة الناجحة هي إدارة المشاركة، أي التي يشترك فيها مجموعة من الإداريين، ولا عجب أن تسمع أن شركة البوينغ لصناعة الطائرات فيها (45) نائباً لرئيسها، كل منهم مختص بجزء من العمل، ويتشاورون فيما بينهم. ولا عجب أن ترى أن بعض الشركات تقوم بتغيير مديرها العام عند الأزمات أو عندما تشعر بأنه لم يعد عنده ما يدفع بالعمل إلى الأمام، وبالتالي قد يحل محله أحد نوابه من أجل الاستفادة من خبرات الذين خلفه.
3) ولقد وجدوا أن الطيور الخلفية تزقزق للطيور التي في الأمام. فقالوا في علم الإدارة: إن كلمات الدعم والحفز تشجع الإدارة على المضي قدماً في طريقها رغم المشاق التي تلاقيها والمصاعب التي تتعرض لها والتعب الذي ينتابها، ولا يكفي أن تكون كلمات التشجيع والحفز من أعلى إلى أسفل، بل لابد أن تكون من أسفل إلى أعلى كذلك.
4) لاحظوا أيضاً أنه عندما يتأخر طير من السرب لتعب أو مرض، فعلى الفور يتبعه اثنان من السرب لحمايته، ويبقون معه حتى تتحسن حالته ويقدر على الطيران، ثم ينطلق الجميع وينضمون إلى سرب آخر حتى يدركوا مجموعتهم التي كانوا فيها، وذلك بعد الوصول إلى مقر هجرتهم الجديد. ولذا قالوا في الإدارة إذا تخلف أحد عن العمل لمرض أو عذر آخر فعلى أعضاء فريقه أن يقوموا بعمله، وأن ينتدبوا من يزوره في بيته، فلا تكن حياتهم عمل دون عواطف، فهذه العواطف هي التي تدفع للعمل، حيث يشعر كل عضو في الفريق أنه جزء لا يتجزأ من هذا الفريق.
إنه لطيف أن نتعلم من الطير، فعالم الحيوانات مليء بالعجائب التي فُطرت هذه الكائنات عليها. إنها تخرج إلى الدنيا وقد هُديت إلى السلوك الذي ستسلكه، حتى لو عاشت بعيداً عن بني جنسها. أما الإنسان فإنه تُرك ليعمل ويجدَّ حتى يتعلم ويكتشف العالم من حوله، وحتى يضع النظريات المختلفة التي تسهل عليه عيشه أو تجعل عيشه نكداً إن لم يحسن الاختيار. وهذا كله مع وجود الرسالات السماوية التي نبَّهته إلى مواطن الرشد وبيَّنت له مواضع الزلل تاركة له حرية الانتقاء والتفضيل والإرادة. ولقد جاء في التنزيل أن الله علم الإنسان دفن الموتى بواسطة الطير. ولئن كانت تلك الحادثة قد اقترنت مع أول جريمة بشرية على هذه الأرض، فإن حالة الأمن تعطي حظاً أوفر للتعلم وزيادة المعرفة، ومن هنا جاء الأمر في القرآن بإعمال النظر في هذا الكون وما فيه. ولقد قام علماؤنا السابقون بهذا خير قيام، إلى درجة أن المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون قد أفرد فصلاً خاصاً في كتابه "حضارة العرب" سماه "مناهج العرب العلمية". أما المؤرخ جورج سارتون فيقول في كتابه "تاريخ العلم": "إن أعظم النتائج العلمية لمدة أربعة قرون إنما كانت صادرة عن العبقرية الإسلامية"، ويقول أيضاً: "إن معظم الأبحاث العلمية الممتازة خلال هذه القرون الأربعة إنما تمت في لغة العلم الكبرى حينئذ وهي اللغة العربية".
|