السلامة أولاً
:نشر الساعة 10:38 ص بتاريخ 2007-يول-27 الكاتب: د. محمود نديم نحاس
السلامة أولاً
بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس
نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12011
3 ربيع الآخر 1420 هـ الموافق 16 يوليه 1999م، ص 10
السلامة هي واحدة من جملة أمور كثيرة صارت مهمة في حياتنا في الوقت الحاضر. ذلك أن تطور حياتنا في النصف الثاني من القرن العشرين يمشي بخطى متسارعة، ويجلب معه مخاطر على حياتنا نفسها مما يستدعي الحيطة والحذر واتخاذ الإجراءات الكفيلة للوقاية منها قدر الإمكان. وفي هذا المقال أسوق مثالاً على خطر يمثل موضوعاً ساخناً عند العلماء للوقاية من أخطاره. وهو يتعلق بقيادة السيارات في الأنفاق.
فقد حصل خلال الأشهر الثلاثة الماضية حادثان مروِّعان في نفقين من الأنفاق التي تم تشييدها عبر جبال الألب في أوربا، وقد أثارا اهتمام العلماء هناك حول سلامة القيادة في الأنفاق. الحادث الأول كان في نفق طوله (12) كيلاً بين فرنسا وإيطاليا، وكان سببه احتراق شاحنة في منتصف الطريق وكانت تحمل طحيناً وسمنة. وقد مات في الحادث (42) شخصاً خنقاً بالدخان الكثيف الذي انتشر في النفق، علماً بأن (35) من الضحايا آثروا البقاء في سياراتهم ظناً منهم أن الدخان سيتجاوزهم وينكشف دون أن يسبب لهم أي ضرر، في حين أن الضحايا الآخرين خرجوا من سياراتهم وحاولوا الهرب في الاتجاه المعاكس. أما الحادث الثاني فقد حصل في نفق طوله أكثر من (6) كيلومترات، ولكن لحسن الحظ فقد حصل على بعد (600) متر من إحدى نهايتي النفق مما مكّن كثيرين من الهرب في كلا الاتجاهين، ومع ذلك فقد كان عدد الضحايا (12) فرداً. وكان سببه أيضاً احتراق شاحنة تحمل دهاناً (بويا).
ومن دراسة الحادثين تبين عدة أمور مهمة. أولها أن النفقين كانا بمسارين فقط، وكل مسار مخصص لحركة السيارات في أحد الاتجاهين، أي أن النفق كان ضيقاً نسبياً مما لم يمكِّن السيارات الكبيرة من عكس اتجاهها للهرب من الحريق أو الدخان. وثانيها أن كل نفق منهما كان يعبره سنوياً أكثر من ضعف عدد السيارات التي سبق تصميمه لها، أي أنه كان مزدحماً دوماً أكثر مما ينبغي، لاسيما بالشاحنات الكبيرة التي تستخدم الأنفاق لتقصير الطرق التي تسلكها، مما يعني أن قواعد السلامة لم تكن مطبَّقة كما يجب. وقد دلت إحدى الدراسات الإحصائية أن معدل حرائق الشاحنات بالنسبة لعدد الكيلومترات التي تقطعها هو أكبر بثماني مرات ونصف من معدل حرائق سيارات الركاب، كما أن شدة هذه الحرائق أقوى بكثير من شدة حرائق السيارات. ومعظم الحرائق كانت بسبب ارتفاع الحرارة في الأجهزة الكهربائية أو الفرامل أو الجيربوكس. وإذا كانت حمولة الشاحنة قابلة للاحتراق فإنها تزيد الطين بلة. ومن هنا فقد ارتفعت الأصوات تطالب بعدم السماح للشاحنات باستخدام الأنفاق، غير أن اتحاد النقل البري الدولي يعارض هذه الأصوات وذلك لأن عدد الحوادث مقارناً بعدد الشاحنات التي تستخدم الأنفاق يُعتبر صغيراً جداً.
أما الأمر الثالث الذي ظهر من هاتين الحادثتين فهو عدم وجود مخارج حريق من النفق. ففي حادث في نفق آخر منذ ثلاث سنوات لم يكن هناك ضحايا لأن ذاك النفق كان فيه ممر خاص لهرب الناس في حالة الخطر. غير أن بعض الدارسين لا يعتقدون أن هذا مناسب، لأنه يرفع كلفة الإنشاء، ولكن يركِّزون على ضرورة أن يكون النفق مزدوجاً دوماً، على أن يكون كل نفق من مسارين (على الأقل) ومخصصاً للحركة في اتجاه واحد ليمنع خطر الاصطدام من ناحية، وليسمح للناس بالهرب من خلال النفق الثاني المجاور عبر ممرات عرضية. وهذا وإن كان يزيد في كلفة الإنشاء إلا أنه يزيد أيضاً من سعة استيعاب النفق.
وأما الأمر الرابع فقد كان هناك خلاف حول أهمية التهوية في الأنفاق. ففي حين أن بعض المهندسين يعتقدون أن التهوية الجيدة كافية لطرد الدخان من النفق فإن آخرين يعتقدون أن مراوح التهوية تزوِّد النار بالأكسجين المناسب لإضرامها. ولذا فإن التهوية يجب أن تكون في الاتجاه المناسب في حالة حدوث حريق في النفق. ففي حادث النفق بين فرنسا وإيطاليا تبين أن الجانب الفرنسي قد عكس اتجاه مراوح التهوية لسحب الدخان خارج النفق، في حين كانت المراوح في الجانب الإيطالي تدفع بالهواء إلى منطقة الحادث.
ولاشك أن النفقين سيبقيان مغلقين لفترة من الزمن حتى يتم إصلاحهما. ومن هنا تنبثق مشكلة أخرى وهي أن الأنفاق الأخرى عبر جبال الألب سيزداد الزحام فيها مما يعني زيادة احتمال الحوادث فيها. والجدير بالذكر أن هذه الأنفاق بُنيت في فترات متقاربة منذ حوالي ثلاثين سنة، ولذا فإن تصميماتها متشابهة وعوامل السلامة فيها كانت تناسب الزمن الذي بُنيت فيه. ولكن مع ازدياد سرعة السيارات وازدياد حمولة الشاحنات فإن الحاجة إلى تصميمات جديدة تصبح أمراً ملحاً بحيث تأخذ بعوامل السلامة الحالية، بل والمستقبلية.
ومن توفيق الله أن الأنفاق التي شيدتها المملكة في مكة المكرمة قد روعيت فيها كل متطلبات السلامة، غير أن ما يزعج فيها هو نفر من الناس لا يعرفون قيمتها، بل ولا يفكرون في نتيجة أي حادث – لا قدر الله – فتراهم يسرعون فيها ويستعملون المنبِّه أو يرفعون الأنوار طالبين الطريق ممن أمامهم في النفق وكأنهم في حلبة سباق. وهناك نفر آخر لا يقلون خطراً عن الأولين، وهم الذين يمشون ببطء شديد في المسار الأيسر، وقد نسوا أن المسار الأيمن مخصص لأمثالهم. ومن قواعد القيادة في الأنفاق أنه لا يجوز تغيير المسار داخل النفق حتى لا يحصل أي حادث فيه. وكلي أمل أن يتم تذكيرنا جميعاً بقواعد القيادة الآمنة بين الفينة والأخرى.
|