الرائحة والمزاج
:نشر الساعة 08:37 م بتاريخ 2007-يول-27 الكاتب: د. محمود نديم نحاس
الرائحة والمزاج
بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس
نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12030
22 ربيع الآخر 1420 هـ الموافق 4 أغسطس 1999م، ص 8
معلوم من الدراسات التي أجريت على الحيوانات أن حاسة الشم والروائح المنبعثة من كل شيء مهمة جداً في حياة الحيوان، بل وفي توصيل المعلومات بين حيوانات الجنس الواحد. القوارض مثلاً تقوم بتحسس الروائح وتنقل احتمالات الخطر إلى بني جنسها. وهناك دراسة تمت على بني البشر تبين فيها أن الروائح المنبعثة من الإنسان السعيد تختلف كثيراً عن تلك المنبعثة من إنسان خائف مثلاً. غير أن أحدث دراسة عن موضوع الروائح هو ما قامت به باحثة مختصة في علم النفس تعمل في أحد مراكز البحوث في أمريكا وذلك في محاولة للربط بين الروائح التي يشمها الإنسان وبين حالة مزاجه.
وقد قامت الباحثة بعمل تجاربها مستخدمة (30) متطوعاً من (6) فئات من البشر. الفئة الأولى هي لأطفال ذكور بين الثالثة والثامنة من العمر، والفئة الثانية عناصرها رجال في أوائل العشرينات من العمر، أما الفئة الثالثة فكانت لرجال مسنين في السبعينات من العمر. والفئات الثلاث الباقية هي مماثلة لهذه الفئات ولكن عناصرها من الإناث.
وقد قام المتطوعون بإعطاء نماذج من روائح أجسامهم من خلال ضماد من الشاش تم وضعه في منطقة تحت الإبط لمدة عشر ساعات. وقد التزم المتطوعون بالتعليمات التي أعطيت إليهم وذلك طيلة فترة (4) أيام قبل وضع هذه الضمادات تحت الإبط. وملخص التعليمات عدم استعمال أي نوع من العطر أو مزيل الرائحة، وعدم تناول أي طعام من الأطعمة المعروفة بروائحها القوية. وكان مسموحاً لهم في تلك الفترة باستعمال الماء للاغتسال ولكن فقط باستخدام صابون أو شامبو غير معطر.
وكانت الباحثة قد أعدت استبانة وزعتها على (308) من طلبة إحدى الجامعات الأمريكية، وكان فيها (36) سؤالاً اختيرت بعناية لتقويم مزاج كل طالب أو طالبة في تلك اللحظة. وبعد ملء الاستبانة طلبت الباحثة من كل واحد من هؤلاء الطلبة أن يشم رائحة إحدى عيِّنات الضمادات التي جمعتها من المتطوعين دون أن تعلمهم ما هي هذه الروائح. ثم أعادت توزيع استبانة جديدة عليهم حوت الأسئلة السابقة نفسها ولكن بترتيب آخر حتى لا تتأثر إجاباتهم الثانية بإجاباتهم الأولى. وبعد تقويم المزاج في الحالتين كانت نتائج الدراسة كما يلي:
الطلاب الذين استنشقوا روائح كبار السن تحسن مزاجهم بشكل عام، مع ملاحظة أن الذين استنشقوا روائح النساء المسنَّات تحسن مزاجهم بشكل ملحوظ. أما الذين استنشقوا روائح الشباب من أحد الجنسين فقد ساء مزاجهم بشكل عام، مع ملاحظة أن الذين استنشقوا روائح الشبان الذكور قد ساء مزاجهم بشكل ملحوظ. أما الذين استنشقوا روائح الأطفال من أحد الجنسين فلم يظهر أي تغير في مزاجهم.
وقد عللت إحدى الباحثات اللواتي عملن في هذا البحث هذه النتائج بأن الهرمونات في مرحلة الشباب تجعل روائح أجسامهم غير مقبولة وتعكر المزاج، في حين أن التغيرات في الهرمونات في المرحلة المتقدمة من العمر، ولاسيما عند النساء، تجعل الروائح المنبعثة منهم مقبولة وتحسن المزاج. أما باحثة أخرى فقد عللت النتائج بأن كبار السن في الغالب سعداء في حياتهم مما يجعل الروائح المنبعثة منهم مقبولة أكثر من الشباب.
بعد أن اطلعتُ على هذا البحث أدركت بعض أسرار الهدي النبوي في أمور ثلاثة. أولها هديه صلى الله عليه وسلم في موضوع النظافة، نظافة البدن والملبس والمكان. فإذا كان الوضوء والاغتسال مطلوبين في أحوال معينة لتصح العبادة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سنَّ الاغتسال في أحوال كثيرة جداً، كلها مرتبطة باجتماع الناس في مثل صلاة الجمعة والعيدين والعمرة والحج، وذلك حتى لا يؤذي الناس بعضهم بعضاً برائحة أبدانهم. وقد جعل بعض الأئمة غُسل الجمعة واجباً، واعتبره غيرهم سنة مندوباً إليها. أما عن هديه صلى الله عليه وسلم في موضوع نظافة الفم والمبالغة في المضمضة واستعمال السواك، ونظافة الأنف والمبالغة في الاستنشاق، فهذا معروف لكل الناس. وقد فصَّل الطبيب الدكتور فارس علوان في أحد كتبه موضوعَ النظافة في الإسلام ناظراً إليه من الناحية الصحية والوقائية. وذكر كلاماً لطيفاً عن تجربته الشخصية عندما كان يعمل في بلاد الغرب وكيف كان يعرف جنسية المرضى وديانتهم من خلال الروائح المنبعثة منهم. وقال إن طريقته في التعرف على الناس قلما كانت تخطئ. ولعلي أضيف هنا أن صحفياً غربياً زار الهند ووصف المسلمين من أهلها بأنهم رغم فقرهم الشديد فإن كل شيء عندهم نظيف: أجسامهم وأولادهم وملابسهم وبيوتهم. وقد أكد لي هذه المعلومة مدير إحدى الشركات في جدة، حيث قال إن العمال الهنود المسلمين في شركته لابد أن يغتسلوا كل يوم، مما أزعج صاحب مسكنهم، حتى اضطر إلى إخراجهم من المسكن.
أما الأمر الثاني فهو هديه صلى الله عليه وسلم في استعمال الطيب والحث على استعماله. ولعل الحديث الذي ذكر فيه ما حُبب إليه من دنيانا معروف، ومن ذلك الطيب.
وأما الأمر الثالث فهو نهيه صلى الله عليه وسلم مَن أكل ثوماً أو بصلاً مِن ارتياد المسجد حتى لا يؤذي الناس برائحتهما. وقد أشار الطبيب الدكتور حسان شمسي باشا في أحد كتبه الطبية القيِّمة المبنية على الأبحاث العلمية إلى أن الرائحة لا تنبعث من الفم وحسب وإنما تنبعث من مسامات الجسم أيضاً.
هذه حضارتنا وصلنا إليها قبل غيرنا بأربعة عشر قرناً من الزمان. وقد فصَّل الدكتور فارس علوان في كتابه أن القصور الملكية في بلاد غيرنا لم تبنَ فيها الحمامات إلا في العصر الحاضر. وللأسف فإنهم حتى الآن لم يتوصلوا إلى أهمية النظافة بعد قضاء الحاجة.
|