مقالاتي المنشورة في مختلف الصحف والمجلات

آخر مدوناتي

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين
هدية العيد
درجات الصوم
بق الألفية والعد التنازلي
لغز الصندوق الأسود
لماذا يستقيلون 3 / 3
لماذا يستقيلون 2 / 3
لماذا يستقيلون 1 / 3
من عجائب الأقدار
فيروسات الحاسوب
الخريجون وفرص العمل
مع الطيور مرة أخرى
من طرائف الحاسوب
الإنسان بين الخلق والنشوء
التلاعب بالأرقام
الحاسوب يتوقع تصرفات الناس ويقتفي أثرهم
كسوف الشمس وحياتنا على الأرض
الرائحة والمزاج
السلامة أولاً
الإتيكيت والإنترنت
التجريب على الحيوانات – هل هو عمل إنساني
هل للجوال مخاطر صحية؟
هجرة الطيور والإدارة الحديثة
المعلمون والطلاب… أي الفريقين يتعلم من الآخر؟
النظام الغذائي والوقاية من السرطان

عناوين أخرى

التلاعب بالأرقام

:نشر الساعة 09:39 م بتاريخ 2007-يول-28
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

التلاعب بالأرقام

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12060

23 جمادى الأولى 1420 هـ الموافق 3 سبتمبر 1999م، ص 12

هل التلاعب بأرقام المبيعات وغيرها من الأرقام (كنتائج التجارب العلمية) يمكن كشفه؟ يجيب على هذا السؤال أحد أساتذة قسم المحاسبة في إحدى الجامعات الأمريكية بنعم. فقد كان مشروع التخرج لأحد طلابه باباً لدراسة هذا الموضوع. فالطالب أراد أن يعمل مشروعه على أرقام حقيقية بدل أن يعمله على أرقام من خياله. واستطاع أن يحصل من قريب له على أرقام المبيعات في شركته ليقوم هو بتحليلها حسبما هو مطلوب منه في المشروع. وقد قام بعمله على أتم وجه. غير أن الأستاذ استطاع أن يكشف أن صاحب الشركة كان يتلاعب بالأرقام من أجل ألا يكشف عن مبيعاته الحقيقية أمام مصلحة الضرائب. فكيف اكتشف الأستاذ ذلك. إنه لاحظ أن (93) في المائة من أرقام المبيعات تبدأ بالعدد (1)، أما باقي أرقام المبيعات فتبدأ بالعددين (8) و (9).

لم يكن هناك صعود حاد أو هبوط حاد في أرقام المبيعات بحيث يثير الشك في نفس مفتش الضرائب، ولكن الأرقام بهذه الصورة أثارت الشك في نفس الأستاذ لأنها تخالف قانوناً في الرياضيات تم اكتشافه منذ حوالي مائة وعشرين عاماً، وهو ينطبق على كثير من الأرقام الطبيعية، حيث تتوزع الأرقام الطبيعية بنسب متفاوتة على كل الأعداد من (1) إلى (9) دون أن يغيب أي من هذه الأعداد. وتتوزع الأعداد حسب صيغة لوغاريتمية بحيث تكون نسبها المئوية على التوالي بالتقريب كما يلي: (30)، (17.6)، (12.5)، (9.7)، (7.9)، (6.7)، (5.8)، (5.1)، (4.6). وبالتالي فإن أي مجموعة من الأرقام الطبيعية لا ينطبق عليها هذا القانون الرياضي فإنها تثير الشك في أنها تم التلاعب بها.

ولكن كيف تم اكتشاف هذا القانون الرياضي؟ في العام 1881م لاحظ الفلكي سيمون نيوكوم أن الأرقام الموجودة في كتب اللوغاريتمات (التي استخدمناها كثيراً قبل وجود الآلة الحاسبة) تتوزع على الأعداد من (1) إلى (9) حسب قانون رياضي عجيب. ورغم أنه نشر نتائجه في مجلة الرياضيات الأمريكية إلا أنه لم يلتفت إليها أحد. وفي العام 1938م توصل الفيزيائي فرانك بنفورد إلى أن أرقام الإحصائيات المختلفة تتوزع بطريقة عجيبة مثل تلك التي لاحظها نيوكوم من قبل. وقد أيد نتائجه بما لاحظه على أكثر من (20) ألف رقم جمعها من مختلف الإحصائيات. وقد سُمي قانون توزع الأعداد باسمه رغم أنه لم يضع تفسيراً لهذا التوزع. وفي العام 1961م درس أستاذ الرياضيات روجر بينكهام ظاهرة توزع الأعداد في بعض الظواهر الطبيعية وتوصل إلى إثبات قانون بنفورد رياضياً. وأخيراً جاء عالم الرياضيات ثيودور هيل منذ ثلاث سنوات وأثبت بطريقة أخرى أن قانون بنفورد لتوزع أعداد أرقام الظواهر الطبيعية صحيح.

ويبقى هناك سؤال مهم: ما هي الأرقام التي يجب أن تتبع قانون بنفورد؟ والجواب: هناك قاعدتان مهمتان في هذا المجال، أولاهما أن عيِّنة الأرقام يجب أن تكون كبيرة إلى حد كاف لضمان هذا التوزع الطبيعي. وثانيتهما أن الأرقام يجب ألا تكون محدودة بأي نوع من القيود. فمثلاً لا يمكن أن نقول أن أسعار علب عصير البرتقال في بلد معيَّن تتبع هذا القانون، وذلك لسببين: أولهما أن عدد الشركات المصنعة لهذا العصير محدود، وبالتالي فإن عيِّنة الأرقام ليست كبيرة. وثانيهما أن أسعارها مقيدة لتبقى ضمن حدود الأسعار التنافسية في السوق.

ومن هنا فقد بنى أستاذ المحاسبة الذي ذكرناه في بداية المقال (واسمه مارك نيجريني) نظريته حول أرقام المبيعات التي أتى بها طالبه، وحكم على أنها ليست سليمة وإنما تم التلاعب بها من أجل التهرب من دفع الضرائب. وقد تطور الأمر بالأستاذ نيجريني وأصبح مستشاراً في عالم الكشف عن تزوير الأرقام. فباستخدام طريقته في تحليل الأعداد استطاع مثلاً أن يكشف تلاعباً قامت به مديرة القسم الصحي في إحدى الشركات الكبيرة في أمريكا. فقد وجد أن هناك (13) شيكاً تم صرفها على بعض العمليات الجراحية للعاملين كانت كلها بين (6500) دولار و (6599) دولاراً. وبتطبيق نظريته على العددين الأولين (65) اللذين لم يتغيرا في هذه الأرقام يتبين بوضوح أن هناك شيئاً غير صحيح. ولدى التحقيق تبين أن العمليات الجراحية المزعومة لم تتم أصلاً وأن مبالغ الشيكات كلها قد وصلت إلى يد تلك المديرة.

وقد بدأت الجهات الحكومية وشركات تدقيق الحسابات في أمريكا وأوربا اعتماد طريقة التحليل هذه في الكشف عن صحة أرقام الحسابات. وإضافة إلى ذلك فإن استخدامها في الإحصائيات السكانية والتوقعات المستقبلية تعطي فكرة عن صحة الأرقام المتوقعة.

ويأتي هنا سؤال مهم: هل في نشر مثل هذا القانون مساعدة للمتلاعبين كي ينتبهوا إلى إحكام التلاعب؟ ويجيب نيجريني على هذا بالنفي. لأنهم لا يعرفون كيف سيتم تحليل الأعداد في أرقامهم. وبالتالي فإن أي تزوير سيكون قابلاً للكشف عنه، فالمتلاعبون في رأيه ليسوا علماء، واستخدام القانون يتطلب ذكاء ونباهة.

ومنذ أن نشر الأستاذ نيجريني بحثه حول هذا الموضوع سارع علماء كثيرون في اختصاصات مختلفة لتجريبه على الأرقام التي يمتلكونها من شتى الإحصائيات فوجدوه ينطبق عليها. ويقول أحدهم: لم أستطع أن أقاوم فقررت أن أجربه على ما يحتويه حاسبي الشخصي من معلومات، فجربته على عيِّنة من (140) حساباً فوجدته ينطبق عليها، ثم جربته على أحجام (200) ملف من ملفات نظام ويندوز فكانت النتيجة مدهشة. ويقول غيره: كان أقرب شيء لدي هو إحصائية توزيع الداخلين على صفحات موقع شركتنا على الإنترنت، ولما قارنت الأرقام التي لدي مع الأرقام التي تم حسابها من قانون بنفورد كانت النتائج متطابقة.

إن قانون بنفورد هو مثال لفكرة رياضية أدهشت العلماء المختصين قبل غيرهم. ولكن الناظر ببصيرة إلى هذا القانون يجد فيه شيئاً آخر. فالتناسق في توزيع الأرقام سواء أكانت مساحات الأراضي الزراعية، أم أطوال الأنهار، أم أعداد السكان، أم سعة الملفات في الحاسب الآلي، أم أعداد متصفحي مواقع الإنترنت، أم أعداد المصابين بمرض من الأمراض السارية، أم غير ذلك، هذا التناسق والتوحد في القانون الذي يحكم الظواهر كافة يزيد من إيماننا بوحدة الخالق الذي أوجدها، فسبحان الذي كل شيء عنده بمقدار.


المدوّنة السابقة :: المدوّنة التالية
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال