مقالاتي المنشورة في مختلف الصحف والمجلات

آخر مدوناتي

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين
هدية العيد
درجات الصوم
بق الألفية والعد التنازلي
لغز الصندوق الأسود
لماذا يستقيلون 3 / 3
لماذا يستقيلون 2 / 3
لماذا يستقيلون 1 / 3
من عجائب الأقدار
فيروسات الحاسوب
الخريجون وفرص العمل
مع الطيور مرة أخرى
من طرائف الحاسوب
الإنسان بين الخلق والنشوء
التلاعب بالأرقام
الحاسوب يتوقع تصرفات الناس ويقتفي أثرهم
كسوف الشمس وحياتنا على الأرض
الرائحة والمزاج
السلامة أولاً
الإتيكيت والإنترنت
التجريب على الحيوانات – هل هو عمل إنساني
هل للجوال مخاطر صحية؟
هجرة الطيور والإدارة الحديثة
المعلمون والطلاب… أي الفريقين يتعلم من الآخر؟
النظام الغذائي والوقاية من السرطان

عناوين أخرى

الإنسان بين الخلق والنشوء

:نشر الساعة 06:15 ص بتاريخ 2007-يول-29
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

الإنسان بين الخلق والنشوء

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12065

28 جمادى الأولى 1420 هـ الموافق 8 سبتمبر 1999م، ص 8

لا يزال الجدل محتدماً في دول الغرب بين الذين يعتقدون بأن الإنسان مخلوق وبين القائلين بنظرية داروين في النشوء والارتقاء. ورغم أنهم يدينون بدين سماوي إلا أن الفصل عندهم بين الدين وبين باقي مناحي الحياة جعل مناهجهم في التدريس لا تعتمد على معتقداتهم. وقد حسم مجلس التعليم في ولاية كنساس الأمريكية هذه القضية مؤخراً عندما صوَّت لصالح المعتقدات الدينية في هذا الشأن.

ولم يقتصر الأمر على الانتصار لفكرة الخلق على فكرة النشوء ولكن الأمر تعدى ذلك بكثير. ففي الماضي كان أصحاب الاتجاه الديني يطالبون بأن يتم تدريس نظرية النشوء والارتقاء على أنها فقط إحدى النظريات التي تشرح التنوع في الحياة، وذلك إضافة إلى التعاليم الدينية بهذا الشأن. ولكن ما حدث الآن هو أن المجلس قرر ألا يتم ذكر أي إشارة إلى نظرية النشوء في مناهج العلوم لطلاب المدارس. وقد تبنى المجلس منهج العلوم الذي وضعته جمعية علوم الخليقة لوسط أمريكا وأسقط المنهج الذي اقترحته جمعية مدرسي علم الأحياء والذي يحوي إشارات إلى نظرية النشوء وبعض مقولاتها.

وقد كانت ردود الفعل مختلفة حول هذا القرار. فهناك من نظر إلى الموضوع على أنه برهان على أن الذين أصبحوا يشككون في صحة نظرية النشوء هم في ازدياد مستمر مما جعلهم أكثرية في المجلس المذكور. ولكن هناك من نظر إلى الموضوع من زاوية أخرى ورأى بأن حذف هذه النظرية من المناهج أمر فظيع.

ويتوقع المراقبون بأن أصحاب التوجه الديني سوف يتابعون جهودهم لحذف نظرية النشوء من مناهج التعليم في الولايات الأمريكية الأخرى، وذلك في محاولة منهم لتوحيد المناهج حول هذا الموضوع خوفاً من أن يسببوا لطلاب ولايتهم مشكلة في الاختبارات العامة التي تتضمن أسئلة حول نظرية النشوء.

ويرى آخرون أن هذا النصر هو عبارة عن إنذار للعلماء الذين يقولون بنظرية النشوء، وقد يوحدون جهودهم من أجل الوقوف في وجه الاتجاه الآخر.

غير أن هذا النصر لم يرضِ صديقاً لي رغم أنه يعارض نظرية النشوء التي يعتقدها تخالف مبادئ ديننا الحنيف. وسبب انزعاجه هو في الوسيلة التي توصل إليها مجلس التعليم المذكور إلى إقرار مثل هذا القرار المهم في حياة الأمم والشعوب.

وفي الواقع فإن صديقي هذا معه حق. فقرار المجلس تم اتخاذه بالأكثرية حيث كان مع القرار الجديد (6) أعضاء في المجلس، وكان ضده (4) أعضاء. فمادام أن الموت والإقالة والاستقالة والتقاعد والانتخابات كل هذه أحداث تؤدي إلى تغيير أعضاء المجلس فقد تتم إعادة التصويت على هذا القرار بعد عدة سنوات ونعود القهقرى ليأتي الاتجاه المعاكس ويعيد المناهج إلى ما كانت عليه. فهل يُعقل أن يكون إقرار قضية مهمة كهذه من خلال التصويت؟

لقد اختلطت الثوابت مع المتغيرات في الغرب، ولست هنا بصدد بحث أسباب ذلك الخلط. وللأسف فإن هذا الخلط انتقل إلى كثير من بلاد المسلمين. ولذا فإن كل شيء في الغرب قابل للتطور، ويتم إقرار أي فكرة بطريقة التصويت، سواء أكانت فكرة صحيحة أم غير ذلك، وسواء أكانت مسلَّمة أم نظرية يعوزها البرهان والإثبات، وسواء أكانت خُلُقاً حميداً أم جريمة أخلاقية، لا فرق في ذلك، فإن الذي يقرر هو رأي الأكثرية. فإذا قالت الأكثرية بأن الشذوذ مسموح به (كما حصل في برلمانات بعض البلدان الغربية) فإنه يصبح مباحاً لا يعاقب القانون على فعله. وإذا رأت الأكثرية أن نظرية النشوء يجب تدريسها فتدخل في مناهج التعليم وإن خالفت المعتقدات الدينية.

ورب سائل يسأل ما هو الخط الفاصل عندنا بين ما يمكن طرحه على التصويت وما لا يمكن؟ والجواب بسيط. فما كان من أمور العقائد فهو ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان. وكذلك الحال ما كان أمور القيم الأخلاقية التي قال بها الدين وأصبحت معلومة من الدين بالضرورة فهذه أيضاً ثابتة لا يعتريها التبدل مهما تبدلت الأحوال. فالحياء والعفاف والسخاء والأمانة والصدق كل هذه نماذج لفضائل نادى بها الإسلام، وستبقى عندنا فضائل. أما الكذب والغش والظلم والفواحش فهي أمثلة لرذائل حرمها الله ورسوله، وستبقى محرمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وبالتالي فإن هذه الثوابت لا يمكن أن يتم طرحها على التصويت لتقرها الأكثرية أو ترفضها. وهناك دائرة ثالثة تختص بشعائر العبادات (أركان الإسلام) وهذه ثابتة في أصولها، ولكن يدخل الاجتهاد في تفاصيل جزئياتها.

وماعدا ذلك مما ينظم أمور الحياة العامة فهذه بعضها ثابت جاءت به النصوص القطعية، وبعضها – وهو الأغلب - تركه الشارع الحكيم للاجتهاد وترك فيه من المرونة لتتبدل الفتوى فيه بتبدل الزمان والمكان وتغير الأحوال. وهذه الدائرة الأخيرة تخص تفصيلات الأحكام وجزئياتها، أو كيفياتها وإجراءاتها. فهذا كله فيه من السعة والمرونة ما يفتح الباب للاجتهاد وإعمال الفكر فيه حتى لا تجمد الحياة وتتوقف عن التطور، لاسيما في عصر تسارع فيه التطور بشكل كبير. والاجتهاد الجماعي في كل هذه الأمور هو الأفضل. وهذا فعلاً يتم في المجالس والهيئات المختلفة، على كل المستويات، بدءاً من أصغر مجلس في دائرة صغيرة، إلى أعلى مجلس وهو مجلس الشورى، أو البرلمان، أو غير ذلك من المسميات الحديثة. فإذا اجتمع أعضاء مجلس على رأي فهو ما يشبه الإجماع الذي قال به الفقهاء، وإذا لم يجتمعوا فإن التصويت يرجح رأي الأكثرية. ولكن كل هذا في المجال الواسع الذي لا يدخل في الدوائر الثابتة التي لا تتبدل مع تغير الزمان والمكان.

ولعلي أشير أخيراً بأن الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي قد درس هذا الموضوع وفصَّل فيه وأبدع في عدد من كتبه القيِّمة. كما تكلم فيه عدد من المشايخ الأفاضل مثل الشيخ علي الطنطاوي والشيخ مصطفى الزرقا رحمهما الله تعالى.


المدوّنة السابقة :: المدوّنة التالية
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال