مقالاتي المنشورة في مختلف الصحف والمجلات

آخر مدوناتي

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين
هدية العيد
درجات الصوم
بق الألفية والعد التنازلي
لغز الصندوق الأسود
لماذا يستقيلون 3 / 3
لماذا يستقيلون 2 / 3
لماذا يستقيلون 1 / 3
من عجائب الأقدار
فيروسات الحاسوب
الخريجون وفرص العمل
مع الطيور مرة أخرى
من طرائف الحاسوب
الإنسان بين الخلق والنشوء
التلاعب بالأرقام
الحاسوب يتوقع تصرفات الناس ويقتفي أثرهم
كسوف الشمس وحياتنا على الأرض
الرائحة والمزاج
السلامة أولاً
الإتيكيت والإنترنت
التجريب على الحيوانات – هل هو عمل إنساني
هل للجوال مخاطر صحية؟
هجرة الطيور والإدارة الحديثة
المعلمون والطلاب… أي الفريقين يتعلم من الآخر؟
النظام الغذائي والوقاية من السرطان

عناوين أخرى

مع الطيور مرة أخرى

:نشر الساعة 02:46 م بتاريخ 2007-يول-30
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

مع الطيور مرة أخرى

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12087

20 جمادى الآخرة 1420 هـ الموافق 30 سبتمبر 1999م، ص 16

هذه دروس أخرى من دروس الطيور. ولكن هذه المرة ليس في هجرتها وإنما في إقامتها. وهي مستفادة من نوع خاص من الطيور صغيرة الحجم، ويميل لونها إلى البني، وتعيش في شبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة سيناء، واسم هذا الطير بالإنجليزية (Arabian babbler)، ولم أعثر له على اسم في اللغة العربية في أي معجم. وهذه الطيور تمتاز بصفات ممتازة وأخلاق رفيعة، ربما لأنها عربية حرة. وقد قام فريق بحث من إحدى الجامعات بدراسة حياتها لمدة (30) عاماً تقريباً، وأوردت إحدى المجلات العلمية المرموقة هذه الدراسة.

إنها تمتاز بأنها لطيفة جداً في تعاملها مع بعضها، بل إنها تتسابق فيمن يكون أفضل في الكياسة من الآخر. إنها تعيش في مجموعات من حوالي (20) من الطيور البالغة، وكل مجموعة لها منطقتها الخاصة بها، والتي تدافع عنها ضد الغزاة من المجموعات الأخرى. ويعمل كل أعضاء المجموعة معاً في تربية الصغار. ولكن تعاونها يمتد أكثر من موضوع إطعام الصغار. فالكبار أيضاً يطعم بعضهم بعضاً، ويتباهون ببعضهم بعضاً، ويحيط بعضهم بعضاً بعناية خاصة، بل ويدفئ بعضهم بعضاً في الليل.

ما هي أسباب هذه الغيرية عند هذه الطيور. لعل السبب الواضح هو أن بينها صلة قرابة، مما يعني اشتراكها في الجينات. وهناك فوائد من التعاون لا ينكرها أحد، وهي تفوق في عوائدها مقدار التعب الذي يبذله الفرد في مساعدة الآخرين. وفي المجموعة الواحدة هناك تفاضل بين الطيور. فالطيور الأكبر عمراً لها أفضلية على الأصغر عمراً، وكذلك فإن الذكور لها درجة أفضلية على الإناث. وعندما تتساوى الدرجة في العمر والجنس فالتفاضل يكون حسب درجة أيهما أفضل لصاحبه، ولذا فإن حالته قد تتغير مع الزمن فيفضل أقرانه إذا تفوق عليهم في مساعدتهم. وحيث أن الطير الذي يتلقى مساعدة من غيره يكون أقل منه درجة فإن الكل يسعى لأن يكون أفضل من غيره. وقد يرفض مساعدة غيره خوفاً من إنزال مرتبته. ولرفع مرتبته يقوم ببذل جهد أكبر في إطعام الصغار.

وعندما يكون الطير ذو الرتبة الأعلى في العش فإن الطير ذا الرتبة الأقل يغادر العش. وإذا لم يغادر فإن الطير ذو الرتبة الأعلى يتفاخر عليه بطريقة سلمية في استعراض مرتبته. وفي هذه الحالة يقوم الطير ذو الرتبة الأدنى بعملية الحراسة ليظهر أهميته. وإذا جاء طير برتبة أعلى من الحارس وأراد أن يقوم محله بالحراسة فإنه ببساطة يقوم بإطعامه ويُعلمه بأنه أقل منه مرتبة فيشعر ذاك بضرورة إعطاء المهمة لمن هو أعلى منه في الرتبة.

هل تقوم هذه الطيور بهذه الأعمال في خدمة بعضها بعضاً لأنها تتوقع أن يرتد إليها معروفها يوماً ما؟. قد يكون الأمر كذلك. ولكن رئيس فريق البحث غير مقتنع بهذه الفكرة. فهو يقول بأن المجموعات التي تمت دراستها تشير كلها إلى أن المعروف في مجتمع هذه الطيور هو في اتجاه واحد. فمثلاً الطير الذي أعفى مَن هو أقل منه رتبة من عمل الحراسة، إذا حاول من هو أقل منه رتبة أن يعفيه من هذه المهمة فإن رد فعله يكون عنيفاً. ويكون رد فعله عنيفاً أيضاً في أي محاولة لرد الجميل إليه.

ويقول رئيس فريق البحث إن هذه الطيور تبدو أنها هي الرابحة عندما تعمل المعروف. وإن الذي ظهر لفريق البحث هو أن هذه الأعمال الطيبة من هذه الطيور هي سجيَّة فيها، كما إنها إشارة إلى لياقتها الجسدية، أي صحتها. فالطير يقوم بأي عمل ليدلل على أنه ليس بمريض، إذ أن المريض قد لا يقدر على القيام بأعمال الأصحاء. ويضرب على هذا مثلاً بالطاووس الذكر الذي قد يبدو سيئ الحظ لأن له ذيل كبير. ولكن استطاعة الطاووس أن يرفع ذيله إلى أعلى هو إشارة واضحة إلى أنه معافى، وهو في هذا يتفاخر بذكورته، لأن الطاووس المريض يعجز عن رفع هذا الذيل، وبالتالي يعجز عن أمور أخرى.

إن الطير من هذه الطيور يتفاخر بما يقوم به من أعمال، وإن كان يبدو لغيره أنه يضيع وقتاً أو يوقع نفسه في أخطار، ولكنها إشارة إلى كفاءته وجدارته وأهليته لأن يكون شريك حياة ممتاز، يحمي الحمى ويرعى غيره. وفي هذا ما فيه من المزايا له في أن يحقق مكانة اجتماعية بين بني جنسه. وكلما علا في سلم الدرجات في ذلك المجتمع فإن حظه يكون أوفر في أن يصبح ذا مكانة فيه.

ويعلق أحد الباحثين في الفريق على هذه الحياة الاجتماعية لهذا النوع من الطيور بأن مجتمعها ليس فيه غش أو خداع. فالطير الذي لا يقوم بواجبه يبقى في أسفل التركيبة الاجتماعية، ويتفوق عليه غيره ويفضله بما يقدم من عمل من أجل الجميع. ويظهر هذا بوضوح عندما تصبح الطيور في مرحلة التناسل.

ويتابع فيقول: إن الظهور بمظهر القوة واضح عند مختلف الحيوانات، وهذه القوة في عالم الحيوان مستمدة فقط من قدرتها على عمل الأشياء التي قد يعجز عنها أو يتكاسل عنها غيرها، وليست مستمدة من أي شيء آخر. ولعل هذا مما يريح الدكتورة ابتسام الحلواني التي انتقدت في إحدى مقالاتها تمسيح الجوخ في عالم البشر.

ويختم رئيس فريق البحث تعليقه بقوله: في عالم الإنسان لا شك أن الذي يعمل للآخرين فإنه يحصل على مكانة اجتماعية بين الناس لا يصل إليها غيره مهما حاول. وإن الغيرية هي في الحقيقة – مثل أي صفة إنسانية أخرى – إنما يحصد نتيجتها الإنسان الغيري نفسه.

ولعلي أضيف هنا بأن هذا الحصاد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة إن كانت النيَّة خالصة لوجه الله، وقد يجمع الله لصاحبها الفضلين.


المدوّنة السابقة :: المدوّنة التالية
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال