من عجائب الأقدار
:نشر الساعة 08:02 م بتاريخ 2007-يول-31 الكاتب: د. محمود نديم نحاس
من عجائب الأقدار
بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس
نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12122
26 رجب 1420 هـ الموافق 4 نوفمبر 1999م، ص 20
في أحد المؤتمرات السنوية لعلم الطب القضائي (أو الطب الشرعي) أدهش رئيسُ الجمعية الأمريكية لعلوم الطب القضائي الحاضرين بالتفصيلات والتعقيدات القانونية لحادث غريب راح ضحيته شاب في مقتبل العمر. فقد أثبت الطبيب الشرعي أن الشاب قد مات نتيجة إصابة بالرأس من طلقة مسدس. وكان الشاب قد قرر الانتحار وصعد إلى أعلى مبنى مؤلف من عشرة أدوار ورمى بنفسه من سطح المبنى، وذلك بعد أن كتب ورقة شرح فيها أن سبب عزمه على الانتحار هو حالة اليأس التي وصل إليها. ولدى مروره من أمام إحدى النوافذ في الدور التاسع خرجت رصاصة من تلك النافذة فقتلته في الحال. ولم يكن الشاب يدري أن هناك شبكة حماية مرنة قد تم وضعها عند الدور الثامن لتكون أماناً للعمال الذين يقومون بأعمال الصيانة على سطح المبنى بحيث إذا وقع أحدهم من السطح يسقط عليها فيتم إنقاذه بدل أن يقع على الأرض فيموت. وبالتالي فإن الشاب لم يكن ليتمكن من إتمام مخططه في الانتحار كما أراد، ولكن الرصاصة الطائشة عاجلته فمات.
في الحالة الطبيعية إذا عزم إنسان على الانتحار بطريقة اختارها بنفسه ثم مات بآلية غيرها في أثناء التنفيذ فإنه يُعتبر منتحراً. ولكن في هذه الحالة مات الشاب بالطلقة النارية ولم يمت من جراء سقوطه لأنه وقع على شبكة الحماية المرنة.
ولدى التحقيق تبين أن الدور التاسع الذي خرجت منه الطلقة النارية يسكنه رجل كبير السن مع زوجته، وأنه في تلك اللحظة كان في حالة مشاحنة شديدة مع زوجته، وقد هددها بالمسدس الذي كان معه، ثم وصل به الحال إلى إطلاق النار، ولكن الطلقة أخطأتها وخرجت من النافذة فقتلت ذلك الشاب الذي مر في تلك اللحظة من أمام النافذة. وطبيعي أنه إذا حاول إنسان قتل إنسان آخر فأخطأه وقتل إنساناً ثالثاً فإنه يكون قد ارتكب جريمة قتل الثالث هذا.
ولدى مواجهة الرجل بتهمة القتل أصرَّ هو وزوجته بأنه لم يكن ينوي ارتكاب جريمة قتل زوجته، حيث أن من عادته تهديد زوجته بمسدسه الخالي من الطلقات. ولم يعرف كيف تم وضع الطلقات في المسدس. وبالتالي فقد دفع بأنه غير مذنب وغير مجرم، حيث لم يكن ينوي قتل زوجته ولا قتل ذلك الشاب الذي لم يدرِ بمروره من أمام النافذة في تلك اللحظة. وبالتالي فإن الشاب قد قُتل عَرَضاً.
ولدى متابعة التحقيق شهد شاهد بأنه قد رأى ابن ذلكما الزوجين يشحن مسدس والده بالطلقات قبل ستة أسابيع من تلك الحادثة. وسبب ذلك أن والدته قد قطعت عنه المعونة المالية التي كانت تعطيها له، ولما كان يعرف أن والده يهددها بالمسدس عند احتدام المشاحنة بينهما فقد أراد أن يرعبها حقيقة أو يقتلها في أي مشاحنة تالية بينها وبين والده. وبالتالي فقد أصبح ابنهما الآن متهماً بمحاولة قتل والدته وبجريمة قتل ذلك الشاب.
ولدى دراسة الأسباب التي دفعت بابنهما إلى التخطيط لقتل والدته تبين أنه قد وصل إلى حالة من القنوط بسبب قلة ما في يده من المال، فقام بفعلته تلك لعله يرث بعض المال من والدته. ولما مرت الأسابيع الستة دون أن يحصل شجار بينها وبين والده، فقد قرر أن يتخلص من حياته فصعد إلى سطح المبنى ورمى بنفسه فقُتل بالرصاصة التي خطط لوالدته أن تُقتل بها. فقد كان ذلك الشاب القتيل في الحقيقة هو الابن الذي قام بشحن المسدس بالطلقات.
عندما يقرأ الإنسان هذه القصة يخطر بباله أولاً ما قالته العرب قديماً: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها. فكيف بمن حفرها لأمه؟. ثم هناك معانٍ أخرى تخطر بالبال من هذه القصة التي يبدو فيها شيء من غرابة الأقدار. ومن هذه الأمور أن التربية هي الأساس الذي يجب أن يؤسس عليه الجيل. صحيح أن هذه الحادثة قد وقعت في بلد معين، ولكن يمكن أن تقع في أي مصر وفي أي عصر، إذا لم يكن هناك رادع من دين أو خلق. لاسيما وأن الرائي (أو التلفاز) أصبح اليوم أحد مصادر التلقي الأساسية للجيل، وهو ينقل إلى أجيال الدول كلها ما يحصل في بلدان العالم. إنه ينقلها من خلال مسلسلات أو أفلام أو أخبار. وهو – للأسف – لا يبث دوماً ما هو مفيد، وإنما فيه خلط بين النافع والضار، حتى أن الصيحات أخذت تنطلق من بلدان أوربية تحذر من الخطر الداهم على ثقافتها مما يأتيها عبر الرائي من دول أخرى، رغم أننا نظن أنْ ليس بين ثقافاتهم من فوارق.
إن التربية المطلوبة للجيل هي التربية الإيمانية التي تجعل من الفرد إنساناً صالحاً، له من نفسه على نفسه رقيب، يعمل الخير ويحض عليه، ويبتعد عن الشر وينهى عنه، ويسعى في مناكب الأرض يطلب الرزق ولا يمد يده للآخرين مستجدياً، ويعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، ويعمل لآخرته كأنه يموت غداً، ولا يجد اليأسُ إلى قلبه سبيلاً، ويتحلى بمكارم الأخلاق التي حض عليها الدين الحنيف، ويعرف حق الآخرين عليه، ويقوم بواجباته على أحسن وجه قبل أي يطالب بحقوقه، وينصف الناس من نفسه، ويحب الآخرين، بل ويحب لهم ما يحب لنفسه، …
ومن تربى على هذه المعاني وشبَّ عليها فإنه لا يفكر في ارتكاب الجرائم، ومنها القتل والانتحار. ولقد تنبّه المسؤولون في السجون الأمريكية والأوربية إلى أهمية التربية الإيمانية فأخذوا يسمحون للدعاة المسلمين بزيارة السجون ونشر دعوة الحق بين السجناء، وكانت النتائج مذهلة. فقد صلح حال كثير من السجناء وأسلم كثيرون وأصبحوا مواطنين شرفاء. ولقد قرأنا في الصحف أن بريطانيا حذت مؤخراً حذو أمريكا وبلدان أوربية أخرى وسمحت بدخول المرشدين المسلمين إلى السجون. وفي فرنسا ثبت لمسؤولي الأمن أن المناطق التي فيها مساجد وتنتشر فيها الدعوة الإسلامية بين الجاليات انخفضت فيها الجريمة إلى حدودها الدنيا. إنه الإسلام الذي يربي أتباعه على أنهم محاسبون على ما يقولون، فكيف بما يفعلون.
|