لماذا يستقيلون 3 / 3
:نشر الساعة 12:32 ص بتاريخ 2007-أغس- 2 الكاتب: د. محمود نديم نحاس
لماذا يستقيلون 3 / 3
بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس
نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12165
9 رمضان 1420 هـ الموافق 17 ديسمبر 1999م، ص 16
في مقالين سابقين كان الكلام عن الأسباب والدوافع نحو تقديم الاستقالة من العمل، والحوافز الفعالة التي تجعل الشركات تحتفظ بالموظفين النشيطين الذين ترتكز عليهم في تحقيق أرباحها واستمرار نجاحها واستقرارها. واستكمالاً للموضوع هناك نقاط أخرى لابد من ذكرها. ومن أهمها أن بعض المديرين ينظر إلى بعض الوظائف الصغيرة على أنها ليست ذات قيمة، وذلك لأنها لا تتطلب مهارة، ويمكن لأي أحد أن يقوم بها، ويمكن تعويض المستقيلين من هذه الوظائف بسهولة لأن العرض فيها أكثر من الطلب. وقد يكون هذا صحيحاً، ولكن هل من الصحيح أن ندرب موظفاً صغيراً، كالمراسل مثلاً، على عمل، ثم ندعه يترك العمل ونأتي بغيره لنبدأ التدريب من جديد، وكأننا ليس لدينا عمل سوى تدريب هؤلاء على الأعمال البسيطة المطلوبة منهم؟.
إن الشركات التي تريد زيادة الإنتاجية لا تهمل أي فرد فيها مهما كانت وظيفته. فإذا شبهنا الشركة بسيارة فيمكن القول بأن المحرك هو أهم جزء فيها لأنه لا فائدة في السيارة إذا كان المحرك عاطلاً. ولكن هل يمكن إهمال الأجزاء الأخرى في السيارة مهما صغرت. انظر مثلاً إلى المسامير التي تربط العجلات، وقل لي كيف تسير السيارة إن بقيت عجلة واحدة من دون ربط. واحكم على باقي الأجزاء بالطريقة نفسها. فإذا عاملنا ذوي الوظائف الصغيرة معاملة طيبة ومماثلة لمعاملة الآخرين ذوي المناصب العالية فإنهم يتولد عندهم ولاء وحب للشركة يكون في صالحها. والمعاملة العادلة لا تعني أبداً أن يأخذ الجميع الراتب نفسه، وإنما يكون لهم حقوق متماثلة. فإذا تم توزيع مكافآت فيجب أن ينال الصغار منها، كل حسب مهماته وراتبه.
يقول مدير إحدى الشركات: عندما استلمت الشركة دعوت العاملين فيها جميعاً (بما في ذلك المراسل وعامل النظافة) إلى تناول العشاء بعد وقت الدوام. وبعد العشاء طرحت عليهم وضع الشركة الحرج والأرباح الهامشية التي سبق أن حققتها، ثم قارنتها مع الشركات المنافسة، ووضعت أمامهم الهدف الذي تريد شركتنا أن تحققه في ذلك العام، ووعدتهم جميعاً بمكافآت كنسبة من الأرباح الزائدة التي نصبو إليها. ولقد كان اهتمامي بالموظفين الصغار مساوياً لاهتمامي بغيرهم. فهؤلاء بعيدون عن الأرقام عادة، وهذا يجعلهم يظنون أن الشركة تحقق أرباحاً هائلة على حساب جهدهم. وقد كانت النتيجة ممتازة، حيث عمل الجميع على تحقيق الهدف. أما في السابق فقد كان كل موظف يطالب بزيادة بالراتب ظناً منه أن الشركة في وضع مادي جيد.
وبضدها تتميز الأشياء، هكذا يقولون. فلنقارن إذاً هذا المدير الناجح ومعاملته للموظفين الثانويين مع مدير آخر يمتلك أحد الأسواق التجارية، فقد قام هذا بصرف إمام مسجد السوق لأنه كان ينظر إليه على أنه يأخذ راتباً (وإن كان متواضعاً) ولا يأتي منه دخل للسوق، وأتى مكانه بإمام غير عربي (لا يحسن نطق الحروف) براتب بخس. وكانت النتيجة أن الناس الذين كانوا ينجذبون بالصوت الندي إلى مسجد السوق للصلاة فيه ثم لشراء احتياجاتهم منه انفضوا عنه إلى غيره. مما جعل مستأجري المحلات التجارية في السوق يتذمرون.
وفي هذا المجال أيضاً أذكر ما سمعته في أحد المؤتمرات عن التعليم الهندسي، فقد ذكر عميد كلية الهندسة في إحدى الجامعات العربية أن وزارة المالية في بلده تنظر إلى الجامعة على أنها مؤسسة استهلاكية، تنفق من الأموال العامة دون أن يأتي منها عائد إلى الخزينة. ويضيف: لقد حاولنا إقناعهم بأننا مؤسسة إنتاجية، لأننا ننتج أغلى سلعة في عالم الإنتاج، ألا وهي المهندسون، ولكن دون جدوى. ومع ضغط النفقات وفقدان الأساتذة للميزات وانعدام الحوافز بدأوا يتسربون من الجامعة إلى القطاع الخاص، أو للعمل في دول الخليج. وكانت الطامَّة أكبر عندما سمع بذلك الموفدون للدراسة في الخارج، فقرر كثير منهم عدم العودة، حيث لم يرجع منهم إلا من كان مستواه العلمي لا يؤهله للحصول على عمل في الخارج، أو من لم يرضَ أن يبقى في الغرب حفاظاً على أولاده. وكانت النتيجة أن اضطرت الجامعة لاستقدام أساتذة من الخارج لسد النقص.
ومن قصص عدم الاهتمام بالموظفين الصغار ما حصل في إحدى الشركات التي كان لديها أرض واسعة حول المبنى، فتم توظيف جنائني ليقوم على تنسيق حديقة جميلة في هذه الأرض والاعتناء بها. وبعد فترة أثار أحد الإداريين نقطة بأن هذا الجنائني غير منتظم الدوام ولا بد من توظيف مَن يشرف عليه. وقد رد غيره بأنه مادام الجنائني يقوم بعمله على الوجه المطلوب فلماذا نقيده بالدوام الرسمي. ولكن غلب الرأي الآخر وتم توظيف مشرف عليه. وبعد فترة كانت هناك حاجة لتوظيف نائب للمشرف حتى يقوم بعمل المشرف عندما يكون هذا الأخير في إجازة أو عندما يكون مشغولاً في اجتماعات الإدارة. وهكذا أصبح في الشركة قسم اسمه قسم الجنائن. ومع كل خطة توسعة كان هذا القسم يطلب موظفين جدد أسوة بغيره من الأقسام. وبعد مدة أصبح في القسم عدة موظفين: مدير ونائبه، وسكرتير لهذا وآخر لذاك، وموظف للمراسلات الصادرة وآخر للواردة، وغيره لحفظ الملفات، وآخر لشؤون موظفي القسم، وموظف للرواتب، وناسخ على الآلة الكاتبة، ومختص بالحاسب لحفظ كل المعلومات على الحاسوب، وعدِّد غيرهم ما شئت فلن تخطئ. ولكن وضعاً كهذا لابد أن يؤدي بالشركة إلى الخسارة إن لم يكن إلى الإفلاس. فطلبت الإدارة من الأقسام ضغط النفقات، ومحاولة تقليص عدد الموظفين. فاجتمع قسم الجنائن بكامل أعضائه، طبعاً دون الجنائني الذي لا يحق له دخول المبنى حتى لا يؤذي موظفي القسم بثيابه غير النظيفة. وكان كلما طرح أحدٌ وظيفة في القسم يمكن الاستغناء عنها هبَّ صاحبها مدافعاً عن أهميتها، وردَّ بعنف متهماً صاحب الفكرة بالعداء الشخصي له، وطارحاً فكرة الاستغناء عن وظيفة صاحب الفكرة نفسه. وهكذا كاد الأمر ينتهي إلى العراك بالأيدي والكراسي. وأخيراً اتخذ القسم قراراً سديداً بالإجماع يقضي بالاستغناء عن الجنائني، وتخليص الشركة من مشكلة كانت ستؤدي إلى كارثة لو أن موظفي القسم تضاربوا من أجله.
|