درجات الصوم
:نشر الساعة 05:34 ص بتاريخ 2007-أغس- 3 الكاتب: د. محمود نديم نحاس
درجات الصوم
بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس
نُشرت في جريدة عكاظ، العدد 12179
23 رمضان 1420 هـ الموافق 31 ديسمبر 1999م، ص 24
لقد أوضحت الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، عدة أمور. أولها أن الصيام فرض على المؤمنين، وثانيها أنه قد فُرض على الأمم السابقة، وثالثها أن هذه العبادة قد قُصد منها أساساً زيادة التقوى. فالصوم يكون بالامتناع عما هو حلال أصلاً، ومن استطاع أن يضبط نفسه ويمتنع عن الحلال لفترة محدودة فإنه يوطِّن نفسه على الامتناع عما ليس بحلال.
والتقوى محلها القلب، كما أشار إلى ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد عرَّفها الإمام علي رضي الله عنه بأنها: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وإذا استطعنا أن نحصل على هذا من الصيام فقد أخذنا بحظ وافر. ولهذا فإن من أدى الصوم إيماناً واحتساباً فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه. ولهذا أيضاً ورد في الحديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". فمن صام عن الطعام ولم يغير شيئاً من أعماله السيئة التي كان يعملها قبل رمضان فإن التقوى لم تعرف إلى قلبه سبيلاً. لأن التقوى، وإن كان محلها القلب، إلا أنها تظهر على الجوارح. وهذا ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه".
ومن أحسن ما قرأتُ في موضوع الصوم ما كتبه حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله. فقد قسَّم الصوم إلى ثلاث درجات. أولها صوم العموم، وهو كفُّ البطن عن الطعام، وكف الفرج عن قضاء الشهوة. وثانيها صوم الخصوص، وهو، إضافة إلى ذلك، كف البصر واللسان والسمع واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وهذا صوم الصالحين. وثالثها صوم خصوص الخصوص، وهو صوم القلب عن الهمم الدنيَّة والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، وهذا صوم الأنبياء والصدِّيقين والمقرَّبين. وحيث أن هذا الكلام قد يُفهم منه الانقطاع عن الدنيا، فإنه - رحمه الله - بيَّن أن الدنيا التي تُراد للدين تكون من زاد الآخرة.
وهذه نقطة في غاية الدقة، فهؤلاء نفر من الصحابة يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يريدون أن يزيدوا عليها، فيقرر أحدهم أن يصوم فلا يفطر، ويقرر الثاني أن يقوم فلا ينام، ويقرر الثالث أن يعتزل النساء. فيأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ويوضح لهم أنه أتقاهم لله، ومع ذلك فهو يصوم ويفطر، ويقوم ويرقد، ويتزوج النساء، ثم يقول بصريح العبارة: فمن رغب عن سنتي فليس مني. لقد أراد أن يقول للبشرية بأن السلبية ليست هي الطريق المؤدية للفلاح، وإنما طريق الفلاح هو بالإيجابية التي تتعامل مع الحياة كما هي، ولكن يبقى فرق بين التقي وغيره، فالأول تكون الدنيا في يده، وينوي أعماله كلها لوجه الله. أما الآخر فإن الدنيا تكون في قلبه، وأعماله لا يقصد بها أو لا تكون خالصة لوجه الله.
وفوائد الصيام كثيرة، فبالإضافة إلى الفوائد العبادية هناك الفوائد الاجتماعية، وهناك الفوائد الاقتصادية، وهناك الفوائد الطبية، وهناك غيرها. وفي موضوع الفوائد الطبية للصيام وقعتُ على مجلة علمية متخصصة في أبحاث صيام رمضان، وهي بالإنجليزية ولها موقع على الإنترنت. وفيها بعض الأبحاث القيِّمة، وفيها أيضاً جزء خاص يعطي ملخصات أبحاث الصوم المنشورة في مجلات أخرى.
والطريف أن هناك فئات في المجتمعات الغربية غير الإسلامية توصلت - من خلال الدراسات العلمية أو التجريبية - إلى أهمية الصوم كأسلوب للعلاج من الأمراض. وهناك مواقع عديدة على الإنترنت تتكلم عن الصوم، ومن أهمها المركز العالمي للصوم، الذي له مجلة على الإنترنت. ولا أريد أن أطيل الكلام عنه، إنما يكفي أن أقول أن هذا المركز له برامج صوم مختلفة ينصح بها الناس لعلاج أمراض مختلفة. وقد جاء في إحدى الرسائل المنشورة في المجلة عن سيدة أمريكية، تبلغ من العمر (54) عاماً، حيث كتبت تقول: لقد قررتُ أن أجرب برنامجكم الخاص بصيام (20) يوماً، واضعة أمامي عدة أهداف وهي: زيادة الطاقة، إنقاص الوزن، إيقاف الرغبة في أكل الحلويات وغيرها من المأكولات غير المفيدة، التخلص من سموم الجسم، تحسين الصفاء الذهني. ويجب أن أقول أن كل هذه الأهداف قد تحققت. غير أن الفائدة الكبرى التي استفدتها من الصوم هي التخلص من مشكلة الجيوب الأنفية المزمنة التي كانت عندي، والتي قاومت كل المعالجات التي جربتها من قبل. لقد كنت أستعد لإجراء عملية جراحية قبل تجريب برنامج الصوم، كما كنت أضطر لوضع البخاخ الأنفي كي أستريح في نومي، ولكن كل هذا قد مضى. فالجيوب الأنفية تحسنت بمقدار تسعين في المائة، ولم أعد أحتاج البخاخ الأنفي، كما تحسنت حالة الربو التي أعاني منها منذ أكثر من عشر سنوات. ولذا فأنا أنصح كل أحد – وبلا تردد - بأن يجرب برنامج الصوم إذا كان لديه الرغبة في الاهتمام بصحته. ولقد وجدتُ الصوم أسهل مما كنت أتوقع، إلا أنه يحتاج بعض الانضباط.
وحسبما جاء في المجلة فإن هناك مصحات في ألمانيا والسويد تعالج مرضاها بالصيام تحت إشراف أطباء. ومن الأمراض التي تتم معالجتها في هذه المصحات: بعض أمراض القلب، والاضطرابات الهضمية، وبعض أمراض الروماتيزم، وبعض الحالات الجلدية. أما في روسيا فإن الصوم يُستخدم منذ نصف قرن كأفضل علاج لمرض انفصام الشخصية، حيث تتحسن الحالة النفسية لـ (70%) من المرضى بعد صوم مدته بين (20) و (30) يوماً. أما في اليابان فإن هذه النسبة وصلت إلى (87%). ويؤكد أحد أساتذة الطب في نيويورك بأن الصيام ليس تجويعاً.
وفي الحقيقة فإنني لا أعرف كيفية الصوم المذكور في كل هذه الحالات، إنما يكفي أن أقول بأن المركز العالمي للصوم عنده برامج مختلفة أقلها عشرون يوماً، وأكثرها مائة يوم. وهو يعطي الوصفة حسب حالة المريض الذي ينشد الخلاص من أمراضه. وبالطبع فإن هذا المركز لا يقدم خدماته مجاناً، وإنما لقاء رسوم يأخذها من هؤلاء المساكين الذين لا يعرفون عن صومنا شيئاً. ولا أدري أن كنا نحن أيضاً مساكين فكثيرون منا يعوضون ما فاتهم من طعام خلال النهار بمضاعفة كميات الطعام بعد الإفطار، مما يعني عدم استفادتهم من الصوم من الناحية الطبية على الأقل.
|