مقالاتي المنشورة في مختلف الصحف والمجلات

آخر مدوناتي

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين
هدية العيد
درجات الصوم
بق الألفية والعد التنازلي
لغز الصندوق الأسود
لماذا يستقيلون 3 / 3
لماذا يستقيلون 2 / 3
لماذا يستقيلون 1 / 3
من عجائب الأقدار
فيروسات الحاسوب
الخريجون وفرص العمل
مع الطيور مرة أخرى
من طرائف الحاسوب
الإنسان بين الخلق والنشوء
التلاعب بالأرقام
الحاسوب يتوقع تصرفات الناس ويقتفي أثرهم
كسوف الشمس وحياتنا على الأرض
الرائحة والمزاج
السلامة أولاً
الإتيكيت والإنترنت
التجريب على الحيوانات – هل هو عمل إنساني
هل للجوال مخاطر صحية؟
هجرة الطيور والإدارة الحديثة
المعلمون والطلاب… أي الفريقين يتعلم من الآخر؟
النظام الغذائي والوقاية من السرطان

عناوين أخرى

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين

:نشر الساعة 05:29 ص بتاريخ 2007-أغس- 4
الكاتب: د. محمود نديم نحاس

الألفية الثالثة وجاهلية القرن العشرين

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة الشرق الأوسط، العدد 7674

24 شعبان 1420هـ الموافق 2 ديسمبر 1999م، ص 10

هذا المقال ليس للحديث عن مشكلة العام 2000 التي شغلت البشر كلهم بما قد ينتج عنها من مشكلات إن لم يتم تدارك الحاسبات والأجهزة المبرمجة في الوقت المناسب. ولكنه عن مشكلة أخرى من مشكلات العام 2000، لا علاقة لها بالحاسبات، وإنما علاقتها بالعقل البشري. ولا غرابة أن يقع فرد في خطأ علمي من أي نوع، فقد وقع العلماء في أخطاء كثيرة على مدى التاريخ، وسادت نظريات ردحاً من الزمن ثم تبين خطؤها فيما بعد. ولكن أن يقع أغلب الناس في خطأ فهذه مشكلة.

إن السائد عند أغلب الناس، عرباً وعجماً، أن الألفية الثالثة ستبدأ في الأول من كانون الثاني (يناير) من العام 2000، وهذا خطأ كبير، لأنها ستبدأ فعلاً في بداية العام 2001. إذ أن الألفية الثانية لا تنتهي إلا بانقضاء العام 2000. وسبب ذلك أنه لم يكن هناك عام اسمه العام صفر. وإنما بدأ عد السنين من مولد المسيح عيسى عليه السلام. أما الصفر فهو نقطة التحول من تاريخ ما قبل الميلاد إلى تاريخ ما بعد الميلاد، أي أن الصفر هو لحظة وليس عاماً كاملاً. وبالتالي فإن العام الأول بدأ مع مولده، ثم بدأ العام الثاني بعد أن أتم سنة من عمره، وهكذا لم يبدأ العقد الثاني من عمره إلا بعد انقضاء العام العاشر، أي في أول يوم من العام 11. وبالمثل فإن القرن الثاني بدأ بعد انقضاء العام 100، أي في بداية العام 101، والألفية الثانية بدأت بعد تمام الألف، أي في أول يوم من العام 1001، وهكذا فإن الألفية الثالثة لن تبدأ إلا بعد إتمام الألفية الثانية.

وهذه المسألة ليست جديدة، إذ يُقال أن فيكتوريا، ملكة بريطانيا، احتفلت بدخول القرن العشرين في بداية العام 1901، ولكنها ماتت في العام نفسه، في حين احتفل قيصر، إمبراطور ألمانيا، في بداية العام 1900، وتم خلعه في العام 1918 بعد أن خسرت ألمانيا الحرب العالمية الأولى، ولم يمت إلا في العام 1941.

كذلك فقد نبَّه إلى هذا الموضوع بعض العلماء منذ أكثر من عشرين سنة، وبالتحديد في العام الهجري 1399، حيث بدأ العالم الإسلامي يستعد للاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري، وتمت في ذلك الوقت الإشارة إلى هذه الحقيقة، التي هي في علم الحساب من المسلَّمات التي لا تحتاج إلى برهان. ولكن – كما يُقال – فإن ذاكرة الشعوب ضعيفة، لاسيما وأن شباب ذلك الوقت هم اليوم من الكهول الذين أصبح الشيب يزيِّن وجوههم، وكهول ذاك الزمان هم اليوم في مرحلة الشيخوخة.

والعام 2000 هو من التقويم الميلادي القائم على السنة الشمسية، بخلاف التقويم الهجري المبني على الأشهر القمرية. فالعرب كانوا أمِّيين، كما أشار إلى ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذا كان من السهل عليهم أن يتعاملوا مع القمر الذي تطول دورته شهراً، من التعامل مع الشمس التي تطول دورتها (الظاهرية) عاماً. والتقويم الميلادي تم وضعه في القرن السادس حيث تم تقدير مولد المسيح عليه السلام تقديراً. وهناك من يقول بأن ذاك التقدير لم يكن صحيحاً، وأن المسيح عليه السلام قد وُلد قبل التاريخ المقدر ببضع سنين.

وحيث أن دورة الأرض حول الشمس هي (365) يوماً وأقل من ربع يوم فإن إضافة يوم إلى شهر شباط (فبراير) كل أربع سنوات لتصبح السنة كبيسة (أي ذات 366 يوماً) قد سبَّب مشكلة مع مرور الزمن الطويل، حيث حصلت فروق في مواسم الأعياد. ومن هنا فقد قام البابا جريجوري الثالث عشر (Gregory XIII) الذي عاش في القرن السادس عشر بإجراء تعديل على التقويم، حيث قرر أن السنة الأخيرة في كل قرن لا يجب أن تكون كبيسة إلا مرة كل (400) سنة. ولذا فإن السنوات 1700 و 1800 و 1900 لم تكن كبيسة، في حين أن السنة 2000 ستكون كبيسة. ولتصحيح ما سبق من أخطاء فقد حذف عشرة أيام من العام الذي تم فيه التصحيح (وهو العام 1582)، فقد كانوا في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) فجعل اليوم التالي هو السادس عشر من الشهر نفسه.

وبعد هذه المقدمة يمكن القول بأنه لو لم يحصل خطأ في تقدير بداية عد السنوات، ولولا تعديل البابا جريجوري للتقويم، فإن العام القادم المنتظر ما كان ليكون العام 2000. وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكرناه من قبل بأن بداية القرن الحادي والعشرين ومعه الألفية الثالثة لن تكون إلا في بداية العام 2001، فإننا يمكن أن نتساءل ما الذي يجعل العام 2000 عاماً ذا طبيعة خاصة؟. أنا لا أدري، وإنما أترك الجواب لمن ينتظرون حظهم ولمن بدأوا بالاستعداد منذ سنة للاحتفال بمولد العام 2000 ظناً منهم أنه من سُعد في ليلة دخول العام الجديد فسيكون سعيداً طوال العام، فكيف إذا كان العام بداية القرن الحادي والعشرين والألفية الجديدة؟.

إن الذي يلحظ كيف تجري السنون فإنه يستطيع أن يقول بأنه لا فرق بين عام وعام. نعم نحن نتكلم عن القرن العشرين والإنجازات التي حققتها البشرية فيه، ولكن هذا التقسيم من باب التسهيل في دراسة الأشياء. فهل هناك نقطة واضحة في بداية كل قرن يحصل فيها شيء خاص؟. هناك نقاط تحول واضحة في تاريخ البشرية، كالهجرة النبوية، وفتح بيت المقدس، وموقعة القادسية وموقعة حطين، وغيرها من الأحداث التي غيرت وجه التاريخ. وبعض الناس يعددون أموراً أخرى مثل اكتشاف أمريكا، والثورة الفرنسية في العصر الحديث. وعلى مستوى الدول فلكل دولة يوم وطني، حصل فيه تغير مهم فيها، وهو يوم محدد في السنة، وليس بالضرورة في بداية العام. وكل هذه الأحداث لم تقع بالضرورة مع بداية قرن أو بداية ألفية، فما معنى العام 2000 بالذات؟.

والتقويم الميلادي اليوم مقبول عالمياً من أجل تسهيل التعامل بين الدول، ولكنه غير مقبول على الإطلاق عند كثير من الأمم والشعوب التي لها تقاويم خاصة بها تستخدمها في تحديد أعيادها الدينية والقومية. وكل هذا يؤيد الفكرة بأن العام 2000 ليس له أي صفة خاصة، اللهم إلا في مشكلة العام 2000 الخاصة بالحاسبات. على أن العام 2000 هو نهاية العالم عند بعض الفرق غير الإسلامية.

هناك مستفيدون من الترويج للعام 2000، وبأنه بداية القرن والألفية. فهناك من يبيع الحظ على الإنترنت، وهناك من يعمل الدعايات لرحلة العمر. فحجز مقعد على أي طائرة قرب نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر)، أو حجز غرفة في فندق لآخر ليلة من هذا العام، يكاد يكون أمراً مستحيلاً الآن لمن لم يحجز منذ زمن. وهناك بلاد ومدن تعمل دعاية لنفسها بأنها الأولى على سطح الأرض التي ستشرق عليها شمس الألفية الثالثة. وكل هذا هو من باب دغدغة المشاعر. فمن المعروف أن هناك خطاً وهمياً يقع على خط الطول (180) درجة، أي في الجهة المقابلة لغرينتش، يمثل خط التاريخ الدولي، بحيث أن الناس إلى شرقه يؤرخون بتاريخ الأمس، والناس إلى غربه يؤرخون بتاريخ اليوم. ويقع هذا الخط إلى الشرق من اليابان وأستراليا والفيليبين وإندونيسيا ونيوزيلندا وجزر فيجي وبلدان وجزر أخرى كثيرة في المحيط الهادي، وإلى الغرب من كندا وآلاسكا وجزر هاواي، وغيرها من الجزر في المحيط نفسه. وليس هناك أي ميزة لهذا الخط سوى أنه متفق عليه.

أما الذين يبنون الأحلام الوردية على ما سيجري في القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة فلا أدري على أي شيء يؤسسون. ففي القرن العشرين حصلت حروب طاحنة لم تحصل من قبل في التاريخ، وقُتل فيه من البشر ملايين، واستُخدمت فيه القنابل النووية وغيرها من الأسلحة الفتاكة، وتغيرت خلاله خريطة العالم مرات، فتم تفتيت دول، وابتلاع دول، وتحولت فيه الثروة من دول هي بحاجة إليها إلى دول متخمة تسعى لتسلب طاوي البطن ما جمعا، كما يقول الشاعر. وهاهو القرن العشرين يودع الدنيا وما تزال أهواله تروعنا صباح مساء، وما أحداث البوسنة وكوسوفا والشيشان منا ببعيد. ولهذا لم يكن غريباً أن يكتب أحد المفكرين كتاباً بعنوان جاهلية القرن العشرين. وهذا الكتاب ظهر منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولا أدري ماذا سيسميه لو أعاد طباعته مع بداية الألفية الثالثة.

ولله در أمير الشعراء الذي عاش في الثلث الأول من القرن العشرين، وترك لنا قصائد جميلة على ألسنة الحيوان، فها هو الثعلب يخرج يوماً في لباس الواعظين، ويأمر الناس بالمعروف، ويؤكد حلول الأمن والأمان، ويرسل إلى الديك ليؤذن لصلاة الفجر، فيرد عليه الديك بالحكمة التي تعلمها من آبائه الأولين الذين طالما دخلوا البطن اللعين: مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً.


المدوّنة السابقة :: المدوّنة التالية
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال